من زغاريد الكنداكات إلي رصاص العسكر ….

صحيفة الهدف

 

قلم : ماجد الغوث

السودان: مخاض الوثائق وحريق البنادق.. تشريح لرحلة السقوط من “الثورة” إلى “الطلقة”

منذ الأول من يناير 2019، والسودان يسطر تاريخاً من الأحلام المجهضة. رحلة بدأت بأهازيج “سلمية” في شوارع الخرطوم، وانتهت بدوي المدافع في أحيائها. وبين “الميثاق” و”الرصاصة”، كشف المسار عن صراع مرير، كانت فيه الاتفاقات السياسية أحياناً مجرد “سراب” يُستخدم لتغطية طموحات جنرالات لا يؤمنون أصلاً بالدولة المدنية.

أولاً: ميثاق قوى الحرية والتغيير (يناير 2019) – “مانيفستو الثورة”

تمثّل هذه الوثيقة العهد الثوري الأصيل الذي صاغته إرادة الشارع، وقد ارتكزت على بنود واضحة ومباشرة:

1. التنحي الفوري: المطالبة برحيل نظام البشير بكافة رموزه ومؤسساته دون قيد أو شرط.

2. حكومة كفاءات وطنية: تشكيل سلطة انتقالية مدنية تختارها قوى الثورة لإدارة البلاد بعيداً عن المحاصصة.

3. وقف الح.روب وتصفية التمكين: إنهاء النزاعات المسلحة في الأطراف، وتفكيك بنية نظام الثلاثين من يونيو في كافة مؤسسات الدولة.

ثانياً: الوثيقة الدستورية (أغسطس 2019) – “اضطرار الشراكة وثغراتها”

بدلاً من بناء دولة مدنية خالصة، جاءت الوثيقة الدستورية لتكرس وضعاً فرضته موازين القوى بين المكون العسكري والقوى المدنية آنذاك. وبدلاً من أن تكون دستوراً خالصاً للثورة، تحولت إلى صيغة لتنظيم وجود العسكر داخل هياكل السلطة الانتقالية، وهو ما أدى لنتائج كارثية:

• تداخل الصلاحيات: وضعت الوثيقة العسكر كـ “شريك حتمي” في مجلس السيادة، مما عرقل القرارات الثورية الحاسمة.

• الهيمنة العسكرية: تركت الملفات السيادية (الدفاع والداخلية) تحت السلطة العسكرية، مما جعل الحكومة المدنية مكشوفة أمنياً.

• تعدد الجيوش: سمحت النصوص بوجود هيكلي مستقل لقوات الدع.م السريع، مما أسس للأزمة الراهنة.

ثالثاً: انقلاب 25 أكتوبر 2021.. الانقضاض على “التفكيك”

لم يكن الانقلاب مجرد تحرك عسكري عابر، بل كان محاولة صريحة لتعطيل مسار الإصلاح المؤسسي الذي بدأته الثورة. وقد تجلى ذلك بوضوح في استهداف الرموز الفاعلة بالاعتقال، وعلى رأسهم الأستاذ وجدي صالح، الذي اضطلع بدورٍ محوري في هندسة ملف استرداد الأموال العامة، وكان يُنظر إليه كأبرز الرموز القيادية في عمل لجنة تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو. في هذه اللحظة الفارقة، أدرك حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) مبكراً أن مسار الشراكة قد انحرف عن أهدافه، فآثر الانسحاب من تحالف الحرية والتغيير، مؤكداً أن ما يحدث هو محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم بآليات جديدة.

رابعاً: “اتفاق حمدوك” والاتفاق الإطاري.. ذر الرماد في العيون

بعد الانقلاب، عاد د. حمدوك للتوقيع على اتفاق مع قائد الانقلاب (21 نوفمبر)، وهو ما اعتُبر “سقطة سياسية” كبرى؛ فحمدوك الذي جاءت به إرادة الثورة، منح بتوقيعه “طوق نجاة” للانقلابيين.

أما الاتفاق الإطاري الذي تلا ذلك، فيُنظر إليه اليوم كأكبر عملية “خداع بصري”. فمن قام بالانقلاب لأنه لا يؤمن بالمدنية، لا يمكن أن يؤسس لها عبر “إطاري”. إن أي بنود كُتبت في هذا الاتفاق، حتى لو كُتبت “بماء العيون”، تظل بلا قيمة؛ لأن الثقة انعدمت تماماً لحظة نقض العسكر للوثيقة الدستورية. لقد كان الإطاري مجرد محاولة لتجميد الثورة وامتصاص الغضب الدولي، بينما كان التحشيد العسكري يمضي في خفاء.

خامساً: المقارنة التاريخية (تطور الصراع وتآكل الثقة)

انتقل الصراع من “حالة ثورية” في 2019 إلى “خديعة سياسية” بعد 2021. فبينما كان ميثاق يناير يعبر عن إرادة الجماهير، جاءت الاتفاقات التي تلت الانقلاب (بما فيها الإطاري) كـ “مناورات عسكرية” بصبغة سياسية لكسب الوقت، وتجاوز الضغط الدولي، وشق الصف المدني الذي تشرذم بين مؤيد للتفاوض ومعارض له.

سادساً: ح.رب 15 أبريل 2023.. النتيجة الحتمية للخداع

بسبب طموح الجنرالات وفشل الاتفاقات التي كُتبت لتجميد الأزمات لا لحلها، تحول السودان إلى ساحة معركة. الح.رب الحالية هي النتيجة الحتمية لمن ظنوا أن “البندقية” يمكن أن تُدير “عملية ديمقراطية”، ومن اعتقدوا أن التوقيع مع الانقلابيين سيحقق استقراراً.

الخلاصة: دروس من حطام الدولة

إن تاريخ السودان منذ 2019 يثبت أن الشرعية تُؤخذ من الشارع ولا تُمنح من غرف المفاوضات.

1. خطيئة التوقيع بعد الانقلاب: شرعنت الانقلاب وأضعفت جذوة الثورة ولم تحقن الدماء.

2. عبثية الوعود: من يملك الدبابة لا يؤمن بمداد الأقلام، والاتفاقات الورقية لا تبني دولاً.

3. الحل الجذري: لا معنى لأي وثيقة ما لم تُسندها “بندقية واحدة” مهنية خاضعة للدولة، وقوى مدنية ترفض المساومة على مبادئ الثورة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.