أ. أبوبكر ضياء الدين
ملاحظة منهجية أولية: تجدر الإشارة إلى أن تناول بيان الحزب الشيوعي السوداني – أو أي حزب آخر – من خلال منبر تنظيمي معادٍ (كصحيفة “الهدف” التي كان يحررها بعثيون) يعطي البيان وزناً سياسياً وإعلامياً قد لا يستحقه بالضرورة، ويرسل رسالة ضمنية عن قيمته، التي دفعت خصومه الأيديولوجيين للتعامل معه كنص يستحق المناقشة. هذا يطرح سؤالاً عن مدى جدوى مناقشة مثل هذه الوثائق الحزبية في إطار تحليلي أكاديمي، مقابل الاكتفاء بتناولها كمادة في مقال رأي لكاتب مستقل.
تُقدم هذه القراءة باستخدام منهجية ثلاثية المستويات:
1. تحليل الخطاب: دراسة اللغة والبنية الحجاجية للبيان
2. النقد السياقي: وضع البيان في سياقه التاريخي والسياسي
3. التقييم العملي: اختبار قابلية تطبيق أفكار البيان في الواقع الراهن.
يقدّم بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني قراءة حادّة وذات نبرة يقينية لمواثيق نيروبي والقاهرة، منطلقًا من مسلّمة مركزية مفادها أن أي عملية سياسية لا تُبنى على نقد جذري لتجربة ما بعد ديسمبر 2018، ولا تنطلق من الداخل بوصفه العامل الحاسم، إنما تُفضي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الأزمة. هذه المسلّمة، من حيث الجوهر، تحمل قدرًا عاليًا من الاتساق النظري مع التراث النقدي للحزب، لكنها في الوقت نفسه تفتح سؤالًا سياسيًا بالغ الحساسية: هل صرامة التشخيص تقود بالضرورة إلى فعالية العمل المشترك، أم أنها قد تتحول – في سياق حرب شاملة تهدد وجود الوطن – إلى عائق أمام بناء أوسع جبهة ممكنة لحماية إنسانه ووحدة ترابه ودولته؟
ملاحظة منهجية: إن سلامة التشخيص وحده – ضمن سياقه الزمني – لا تكفي لضمان التأثير في معادلات الواقع. فالقدرة الحقيقية للتشخيص تكمن في إمكانية حشد القوى وتوجيهها نحو تغيير الواقع، وهذا يتطلب وحدة عضوية بين الفكر والممارسة. بدون هذه الوحدة، تظل المواقف مجرد “براءة نظرية” أو “تنفيس عن رغبات” دون قدرة على التحويل العملي.
صدر بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني في (9 يناير 2026)، وذلك بعد أسابيع من إعلان ميثاق نيروبي في (ديسمبر 2025) وميثاق القاهرة في (ديسمبر 2025). هذا التوقيت الزمني مهم لفهم حدة الموقف السياسي وحدود المرونة، التي أبداها البيان تجاه هذه المواثيق.
أول ما يُحسب للبيان أنه لا يتعامل مع مواثيق نيروبي والقاهرة بوصفها لحظة قطيعة، بل يعترف بأنها (خطوة إلى الأمام) في اتجاه توحيد الصفوف ووقف الحرب. هذا الاعتراف مهم، لأنه يجنّب البيان السقوط في منطق الرفض المطلق. غير أن هذا الإقرار سرعان ما يتراجع لصالح خطاب نقدي صارم يُحمِّل الوثائق الثلاثة مسؤولية (التراجع عن ثورة ديسمبر)، استنادًا إلى أنها لم تُنجز نقدًا صريحًا للفترة الانتقالية، ولم تُسمِّ الأخطاء بأسمائها، ولم تضع برنامجًا تفصيليًا لتفكيك التمكين وبناء الدولة المدنية.
ملاحظة تاريخية مهمة: يطرح بيان الحزب الشيوعي السوداني مطالبته للآخرين بالنقد الذاتي كشرط للعمل المشترك، وهذا الموقف يحمل إشكالية مزدوجة: فهو إما ضرب من الوصاية على الآخرين (باعتبار النقد موقفاً نضالياً أخلاقياً ذاتياً لا يمكن فرضه من الخارج)، وإما غطاء لرفض العمل المشترك. وفي هذا السياق، يبقى السؤال مطروحاً: ما هو موقف الحزب الشيوعي من لجنة تفكيك التمكين تحديداً، خاصة بعد اعتذار أحد قادته عن المشاركة فيها؟ توضيح هذا الموقف ضروري لمصداقية دعوته للنقد الذاتي.
هنا تبرز أولى الإشكاليات المنهجية: إذ يفترض البيان تسلسلاً زمنياً خطياً: النقد أولاً، ثم العمل المشترك. هذا التسلسل يتجاهل طبيعة الأزمات المعقدة حيث يمكن – بل يجب – أن يسير النقد والعمل بالتوازي. التجارب التاريخية (كجنوب أفريقيا، كولومبيا) تظهر أن المصالحة تبدأ أثناء الح.رب، لا بعدها.
فبينما يرى الحزب الشيوعي السوداني أن غياب النقد الصريح لتجربة الشراكة مع العسكر والدعم السريع هو أصل الأزمة، فإن الواقع السياسي الراهن – في ظل ح.رب مدمرة – يطرح أولوية مختلفة لا تنفي النقد، لكنها تعيد ترتيبه: إيقاف الح.رب بوصفه شرط وجودي لكل نقد لاحق.
ملاحظة تاريخية موثقة: لا يمكن مناقشة دعوة البيان للنقد الذاتي بمعزل عن الحقائق التاريخية الموثقة. فالحزب الشيوعي السوداني كان طرفاً أصيلاً في المباحثات، التي جرت مع المجلس العسكري بعد ثورة ديسمبر، وشارك في إعداد الوثائق، التي تأسست عليها فكرة الشراكة. ذكر هذه الحقيقة ضروري لضمان نزاهة النقد ومصداقية الدعوة للنقد الذاتي، فلا تكون مجرد أداة لتوجيه النقد للآخرين مع إعفاء الذات.
السؤال، الذي لا يجيب عليه البيان بوضوح هو: هل يمكن تأجيل بعض معارك التعريف والتوصيف من أجل بناء حد أدنى من وحدة الفعل؟ أم أن أي تأجيل يُعد، في حد ذاته، تفريطًا في جوهر الثورة؟
في تناوله لوثيقة نيروبي، يقدّم البيان نقدًا مهمًا يتمثل في التحذير من تضخيم دور العامل الخارجي على حساب الداخل. وهذا نقد مشروع تاريخيًا في التجربة السودانية، حيث لم يكن الخارج يومًا بديلًا عن الفعل الجماهيري. غير أن البيان، في تشديده على هذا الجانب، يبدو وكأنه يُقيم ثنائية حادّة بين الداخل والخارج، بينما تُظهر التجارب المعاصرة أن مخاطبة الخارج لم تعد خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة فرضها تشابك الأزمة السودانية مع صراعات إقليمية ودولية مفتوحة. السؤال ليس هل نخاطب الخارج أم لا، بل: كيف نخاطبه دون أن نُسلم له مفاتيح الحل؟ وهذا التفريق لا يتضح بما يكفي في البيان.
أما في مسألة تصنيف الإسلاميين والدعم السريع كقوى إره.ابية، فينطلق البيان من موقف أخلاقي–سياسي واضح: الشعب السوداني أسقط الإسلامويين ولا يحتاج إلى شهادة خارجية لإدانة جرائم.هم. هذا الموقف متماسك أخلاقيًا، لكنه يتجاهل بعدًا عمليًا في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث بات التصنيف القانوني الدولي أداة ضغط سياسية واقتصادية، لا مجرد توصيف أخلاقي.
ملاحظة نقدية: يتجاوز رفض التصنيف الدولي للإسلاميين مجرد الموقف المبدئي ليطرح أسئلة عملية: ما الغاية من رفض التصنيف في وقت تحول فيه موقف الإسلاميين أنفسهم – كما يصفهم البيان – إلى “بكائيات حسينية”؟ وكيف يختلف هذا الرفض عن الموقف، الذي تبناه الحزب الشيوعي خلال الفترة الانتقالية، خاصة بعد دعوته الصريحة لإسقاط حكومة الفترة الانتقالية، مما محى الفوارق بين خطابه وخطاب قوى “الردة والفلول” في نظر قطاعات واسعة؟
رفض هذه الأداة جملةً وتفصيلًا قد ينسجم مع خطاب السيادة، لكنه يطرح تساؤلًا حول البدائل الواقعية في سياق دولي لا يعترف إلا بلغة المصالح والقانون الدولي برغم وجود إرادة شعبية، تسابق الزمن من اجل حفظ إنسان الوطن وأرضه.
وفي نقده لميثاق القاهرة، يلامس البيان نقاط ضعف حقيقية، خاصة ما يتعلق بغياب التفصيل في قضايا تفكيك التمكين، وخروج العسكر من السياسة والاقتصاد، والترتيبات الأمنية. غير أن البيان يتعامل مع هذا الغياب وكأنه قرار سياسي مقصود لإعادة إنتاج التسوية، دون أن يناقش احتمال كونه نتاجًا لطبيعة التوافقات الواسعة، التي تسعى – بحكم تعريفها – إلى تجميع المشترك وتأجيل الخلافي إلى حين!
ملاحظة تحليلية: يظل التركيز على نقد الميثاقين – انطلاقاً من الموقف من فكرتهما وضرورتهما – قاصراً عن الإجابة على سؤال جوهري: هل يمثل ميثاق القاهرة تراجعاً عن إعلان نيروبي، أو التفافاً عليه على أقل تقدير؟ البيان لم يستطع – بعد التأمل في مكونات ومحتوى الميثاقين – أن يطرح هذا التساؤل بشكل واضح، مما يحد من عمق تحليله للديناميكية السياسية بين المبادرتين.
هنا يبرز التوتر الكلاسيكي بين منطق البرنامج الثوري المتكامل ومنطق الحد الأدنى السياسي الممكن في لحظات الانهيار الشامل.
ربما لا تكمن الإشكالية الأساسية في موقف الحزب الشيوعي ذاته، بل في غياب تصور مرحلي يوفق بين صرامة التشخيص ومرونة الفعل. فبدل ثنائية: إما النقد الكامل أو العمل المشترك، يمكن التفكير في نموذج ثالث يقوم على:
1. توحيد الجهود حول وقف الح.رب كأولوية وطنية وإنسانية وديمقراطية.
2. الاتفاق على مبادئ عامة غير تفصيلية للانتقال، مع التركيز على الأولويات والضرورات الوجودية.
3. تأجيل الصراعات البرنامجية العميقة لمرحلة استعادة المجال العام، مع الاحتفاظ بحق كل طرف في الدعوة لرؤيته من منبره المستقل إذا اقتضت ضرورات المرحلة ذلك، باعتبار أن العمل المشترك لا يجرد أي من أطرافه من استقلاليته التنظيمية أو السياسية.
هذا النموذج لا يُفرّغ النقد من مضمونه، بل يؤجل حسمه إلى لحظة يكون فيها قابلاً للتحقق من خلال وجود (الوطن وإنسانه).
جدول رقم (1)
• المعيار: موقف البيان الشيوعي من الواقع الموضوعي… فيه (الفجوة).
• أولوية النقد: شرط سابق للعمل اتجاه وقف الح.رب أولوية وجودية (فجوة زمنية).
• دور الخارج: رفض الوصاية مقابل ضرورة مع تمنع التحاور مع الخارج ضمن رؤية وطنية (فجوة واقعية).
• التصنيف الدولي: رفض الشهادة الخارجية مقابل التصنيف كأداة ضغط (فجوة عملية).
البيان يولي أهمية كبيرة لمسألة (التعابير المرسلة) وضبابية المفاهيم، وهو نقد دقيق من زاوية لغوية–سياسية. غير أن المفارقة تكمن في أن التعابير الحاسمة والمحددة التي يطالب بها البيان لا يمكن إنتاجها إلا عبر حوار سياسي جامع، يبدأ – كما أشرتَ بدقة – من المعاني الكلية الجامعة لا من الاشتراطات التفصيلية المسبقة.
ملاحظة منهجية: الوحدة اللغوية في الخطاب السياسي ليست نقطة انطلاق، بل نتيجة لمسار حواري طويل بين القوى السياسية، باعتبار الحوار أداة التواصل الأساسية بينها.
في تناوله لمسألة (وحدة الصوت المدني)، ينتقد البيان القفز فوق الخلافات دون تشخيصها. هذا نقد مهم، لكنه يطرح سؤالًا عمليًا: هل تُبنى الوحدة أولًا ثم يُدار الخلاف داخلها، أم يُحل الخلاف بالكامل قبل أي وحدة؟ التجربة التاريخية للحركات الثورية تشير إلى أن الوحدة غالبًا ما تُبنى رغم الخلاف، لا بعد حله بالكامل.
المقصود بوحدة الصوت المدني هنا ليس توحيد البرامج أو محو الخلافات الأيديولوجية، بل إنتاج حد أدنى من الخطاب السياسي المشترك عبر الحركة الديمقراطية (بدل الثورية) القادر على مخاطبة الداخل والخارج بلغة مفهومة موحدة دون أن يتحول إلى تسوية فكرية أو تنازل عن جوهر المشروع الثوري.
أكثر نقاط البيان حساسية هي موقفه من (الرباعية). فالبيان يُصيب حين يشير إلى تضارب مصالح أطرافها وتورط بعضهم في دعم أطراف الح.رب، لكنه يراهن على استنهاض الجماهير كحل وحيد، متجاهلاً الدراسات الاجتماعية، التي تظهر صعوبة التنظيم في ظل:
1. النزوح الجماعي (8.2 مليون نازح)
2. انهيار البنى التحتية
3. سيطرة الميليشيات على الفضاء العام
هذا يفترض قدرة تنظيمية قد لا تكون متوفرة في الواقع الراهن. هنا يتجلّى التوتر بين النقاء الثوري وتعقيد الواقع الجيوسياسي.
في خلاصته، يظل البيان وفيًا لرؤية الحزب الشيوعي القائمة على مركزية الصراع الطبقي وبناء الجبهات الجماهيرية العريضة من أسفل. وهي رؤية ذات عمق تاريخي وفكري، لكنها تصطدم اليوم بسؤال اللحظة:
ملاحظة تحليلية أخيرة: يثير تركيز البيان على “أخذ الصراع بعده الطبقي محلياً” و”الجبهات الطبقية” تساؤلاً منهجياً: هل هذا الوصف يتطابق مع التركيبة الاقتصادية والاجتماعية في السودان الذي لم يشهد بعد الثورة الصناعية أو التحولات التي تنتج التمايز الطبقي الواضح؟ التركيبة السودانية تتوزع بين قطاعين (حديث وتقليدي) دون أن تبرز سمات الطبقات بالوضوح، الذي تسمح به المفاهيم الماركسية-اللينينية لتطور المجتمعات. هذا الفجوة التنظيرية قد تفسر بعض القصور في تحليل البيان للصراعات المعتملة داخل المكونات الاجتماعية السودانية.
هل تنتظر القوى الأخرى أن تلتف بالكامل حول رؤية الحزب الشيوعي السوداني ثم يُدعى للتوقيع؟ أم أن المرحلة وضرورة الظرف تقتضي العمل المشترك رغم الاختلاف، مع الاحتفاظ بحق النقد والمراجعة؟
الخلاصة النقدية ليست في نفي صحة ما ورد في البيان، بل في الإشارة إلى حدوده السياسية في سياق حرب وجودية. فالبيان قوي في التشخيص، صارم في الموقف، لكنه أقل مرونة في بناء الجسور. وهو، بذلك، يعبّر عن أزمة أوسع في السياسة السودانية: أزمة الانتقال من صحة الفكرة إلى فعالية الفعل.
في لحظات الثورات السلمية، قد تكون الصرامة الفكرية فضيلة مطلقة. أما في لحظات الح.رب، فإن التحدي الأكبر يصبح: كيف نحافظ على جوهر المشروع الثوري دون أن نغلق أبواب العمل المشترك؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه البيان، بقدر ما يعجز عن الإجابة عنه.
لا تكمن أزمة البيان فيما يقوله، بل في توقيت وكيفية قوله. فهو يصيب في التشخيص، لكنه يفترض واقعًا سياسيًا لم يعد قائمًا. التحدي اليوم ليس في إنتاج الموقف الأكثر نقاءً، بل في بناء مسار سياسي يسمح لهذا الموقف بأن يكون فاعلًا لا معزولًا. إن الانتقال من صحة الفكرة إلى فعالية الفعل يتطلب شجاعة من نوع آخر: شجاعة القبول بالعمل المشترك دون التنازل عن حق النقد، وبناء التحالفات دون التفريط في الذاكرة الثورية. وفي هذا المفترق، لا يُطلب من الحزب الشيوعي السوداني أن يتراجع عن مواقفه، بل أن يعيد ترتيب أولوياتها في زمن استثنائي.
معاً لبناء الجبهة الشعبية العريضة للديمقراطية والتغيير.

Leave a Reply