ما بين الإنكشارية .. الجهادية .. الدعامة .. كتائب الظل : إلى بناء جيش وطني موٌحد

صحيفة الهدف

جدلية “الشرعية والبندقية”: قراءة سوسيولوجية في نشوء القوى الموازية من “الإنكشارية” إلى المأزق السوداني
لا تبدأ أزمة الدول بسقوط حدودها، بل بتبدد “مركزية السلاح” داخلها. إن التاريخ يخبرنا أن أي نظام سياسي يحاول الالتفاف على بناء جيش وطني مهني عبر خلق “بدائل قتالية” موازية، إنما يزرع بذور فنائه بيده. هذه القوى، التي تبدأ كأدوات “وظيفية” لحماية السلطة، سرعان ما تتحول إلى “كائنات سياسية” لها مصالحها واقتصادها الخاص، لتصبح هي الدولة، ويصبح صانعها رهينة لديها.
أولاً: الظاهرة الإنكشارية.. “توطين العنف واختطاف السيادة”
لم تكن الإنكشارية مجرد جيش، بل كانت نظاماً اجتماعياً وعسكرياً مغلقاً. تكمن خطورة هذا النموذج في أنه كسر القاعدة، التي تقول إن “الجيش يخدم الدولة”، لتصبح “الدولة في خدمة الجيش”.
• العمق التحليلي: تحول الإنكشارية من قوة “حامية للثغور” إلى “قوة ضاغطة” داخل العاصمة، هو التجسيد التاريخي الأول لفكرة (عسكرة السياسة). عندما فقد السلطان السيطرة على “المولود العسكري”، صار الإصلاح مستحيلاً، لأن أي محاولة للتحديث كانت تُجابه بتمرد البنادق، التي استمرأت امتيازات السلطة.
ثانياً: “الجهادية” السودانية.. صراع الهوية والاحتراف
في التاريخ السوداني، مثّلت “الجهادية” (كقوة نظامية ببنادق) محاولة مبكرة للانتقال من “جيوش القبائل” إلى “جيش الدولة المركزية”.
• العمق التحليلي: يكمن المأزق هنا في أن “الجهادية” لم تُبنَ على أساس عقد اجتماعي وطني، بل كانت تُستخدم غالباً لفرض إرادة المركز على الأطراف، أو كأداة في الصراعات الداخلية بين النخب. هذا “التوظيف السياسي” للعنصر الق.تالي المحترف هو الذي أعاق تاريخياً تشكّل (المؤسسة العسكرية القومية) التي تنتمي للوطن كفكرة، لا للنظام كشخص. إن القوى الوطنية الحية، ومنها حزب الأمة بجذوره التاريخية العميقة، تدرك أن تجاوز هذا الإرث يتطلب صياغة علاقة جديدة بين “المدني والعسكري” تقوم على المواطنة لا على الغلبة القتالية.
ثالثاً: ثنائية “الأدلجة والجهوية”.. تفكيك مفهوم الجيش الواحد
في العقود الثلاثة الأخيرة، واجه السودان أخطر عملية “هندسة عسكرية” موازية:
1. قوات الدعم السريع: تمثل نموذج “تعهيد العنف” (Outsourcing Violence)، حيث استعانت الدولة بمكونات ذات صبغة جهوية وقبلية للقيام بمهام عسكرية. هذا النموذج أدى إلى “خصخصة السلاح”، حيث أصبح للقوة العسكرية طموح سياسي يتجاوز الدور الوظيفي، مما جعلها نداً للمؤسسة الأم (القوات المسلحة)، وهو ما يفسر الانفجار الراهن كصراع على “مركزية القرار”.
2. كتائب الحركة الإسلامية: تمثل نموذج “عقائدية السلاح”، وهي محاولة لدمج الولاء الفكري بالبنية العسكرية. هذا “التسييس العميق” للمؤسسات الأمنية خلق ما يعرف بـ (الدولة العميقة المسلحة)، التي لا تؤمن بالتداول السلمي للسلطة، وتعتبر الجيش أداة لحماية “المشروع الحزبي” لا الدستور الوطني.
رابعاً: الاستنتاج.. نحو “جمهورية المؤسسة الواحدة”
إن المقارنة التاريخية تقودنا إلى استنتاج مرير: كل جيش موازٍ هو “مشروع حرب مؤجلة”.
إن نضالنا في صحيفة “الهدف” ليس نضالاً ضد أفراد، بل هو اشتباك معرفي وسياسي مع “بنية التفكير” التي أنتجت تعدد الجيوش. إن بناء الدولة السودانية الحديثة رهين بتحقيق ثلاثية مقدسة:
1. وحدة القيادة والسيطرة: جيش واحد، بعقيدة وطنية، وخاضع للسلطة المدنية الدستورية.
2. مهنية السلاح: خروج المؤسسة العسكرية من “السوق” و”السياسة” للعودة إلى “الثكنات” و”التدريب”.
3. تفكيك الموازاة: إنهاء وجود أي تشكيلات مسلحة خارج إطار القانون، سواء كانت جهوية، قبلية، أو أيديولوجية.
إن القابضين على جمر النار اليوم هم الذين يرفضون الاستقطاب الذي يحول الوطن إلى “ساحة غنائم” للجيوش. إننا نكتب لنبني وعياً يرفض “الإنكشارية الجديدة” بكل قناع ترتديه، لنصل إلى يوم لا يرفع فيه سوداني سلاحه إلا لحماية حدود الوطن، وتحت راية واحدة، وهدف واحد.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.