إخفاقات إدارية وليست أخلاقية

صحيفة الهدف

بين عجز التنمية وعن.صرية المؤسسة: قراءة نقدية في مغالطة تشبيه “دولة 1956” بنظام “الأبارتيد”
تقتضي المقارنة العلمية بين التجارب التاريخية مراعاة الفروق البنيوية والسياقية بين كل حالة وأخرى؛ فالمصطلحات في فضاء السياسة ليست مجرد كلمات، بل هي أدوات تشخيص يترتب عليها فهمنا للماضي ورؤيتنا للمستقبل. وفي هذا الإطار، برز في الآونة الأخيرة خطاب سياسي يميل إلى تشبيه ما يُعرف بـ “دولة 1956” في السودان بنظام “الأبارتيد” (الفصل العنصري) الذي ساد في جنوب أفريقيا. وهو تشبيه، رغم جاذبيته الخطابية، يفتقر إلى الدقة المنهجية ويجافي الحقائق التاريخية.
التأسيس القانوني مقابل الفشل الإداري
لقد كان نظام “الأبارتيد” نظاماً قانونياً ومؤسسياً قام صراحةً على عقيدة التمييز العرقي، مسنوداً بترسانة من التشريعات التي تهدف إلى الإقصاء القسري للسكان الأصليين سياسياً واقتصادياً. في المقابل، نشأت دولة ما بعد الاستقلال في السودان في سياق حركة وطنية جامعة، انصهرت فيها قوى اجتماعية وثقافية متعددة. لقد كانت ثورة 1924، بقيادة علي عبد اللطيف ورفاقه، ومؤتمر الخريجين لاحقاً، نماذج لنضال وطني تآلفت فيه السحنات والقبائل من أجل هدف واحد هو التحرر من المستعمر، مما يجعل وصفها بالدولة “العنصرية” في لحظة التأسيس تناقضاً مع جوهر هذه الحركة الوطنية.
التعليم كبوتقة انصهار وطني
من أهم الشواهد التي تدحض فرضيّة “الأبارتيد” في السودان هو دور المؤسسة التعليمية في بواكر دولة الاستقلال. فقد لعبت مدارس مثل (خورطقت، حنتوب، ووادي سيدنا) والجامعات دور “المصهر القومي”؛ حيث كان الطالب من أقاصي الغرب يجلس في مقعد واحد بجانب الطالب من الشمال والشرق والجنوب. لم يكن التعليم امتيازاً عرقياً مقنناً كما في جنوب أفريقيا، بل كان وسيلة حراك اجتماعي مكفولة للجميع. هذا النظام التعليمي هو الذي خرّج نخب القضاء والخدمة المدنية والجيش من مختلف أقاليم السودان، مما يؤكد أن نية الدولة الأصلية كانت الاتجاه نحو “القومية”، قبل أن يجهض التدهور الاقتصادي والصراعات السياسية لاحقاً هذه المكتسبات وتتحول الوظيفة العامة إلى أداة للولاء الحزبي أو الجهوي.
إخفاقات تنموية لا نظام فصل عنصري
لا شك أن “دولة 1956” واجهت إخفاقات واضحة وكارثية أحياناً، تمثلت في العجز عن بناء مشروع اقتصادي متوازن، والفشل في تحقيق العدالة الاجتماعية، وتمركز الخدمات والسلطة في “المركز” على حساب “الهامش”. غير أن هذه الإخفاقات، على فداحتها، تظل في إطار “الفشل السياسي والتنموي” وليست نتاجاً لنظام تمييز عن.صري مؤسسي مقنن. فالدولة السودانية لم تضع قوانين تمنع المواطنة على أساس العرق، بل عجزت مؤسساتها عن استيعاب التنوع وإدارة الموارد بعدالة، وهو فرق جوهري بين “دولة ظالمة بتصميمها” و”دولة فاشلة في أدائها”.
النخبة الطفيلية وأزمة الهوية
إن النقد الموضوعي لتجربة السودان بعد الاستقلال يجب أن ينطلق من تحليل طبيعة النخب التي تعاقبت على السلطة. لقد تشكلت “رأسمالية طفيلية” ارتبطت بمركز القرار، واستخدمت آليات الدولة لخدمة مصالحها الضيقة، مما خلق تهميشاً طال الفقراء في شمال السودان كما طالهم في غربه وشرقه. إن تصوير الصراع كأنه “أبارتيد” يغفل الصراع الطبقي والاقتصادي، ويختزل الأزمة في بُعد واحد، مما يعيق الوصول إلى حلول وطنية شاملة تخاطب جذور المظالم الاقتصادية والسياسات الاحتكارية التي أفقرت الشعب.
نحو نقد يبني ولا يهدم
إن الحفاظ على الدقة التاريخية والتحليلية ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة لحماية الذاكرة الوطنية من التزييف. إن نقد تجربة 1956 ضروري لتقويم الانحرافات التاريخية، لكنه ينبغي أن يفرق بوضوح بين “فشل الدولة في التنمية” وبين “عنصرية الدولة البنيوية”. إن المخرج للأزمة السودانية لا يكمن في هدم فكرة “دولة الاستقلال” برمتها، بل في إعادة بناء هذه الدولة على أسس المواطنة المتساوية، واللامركزية الحقيقية، والعدالة في توزيع الثروة، بعيداً عن صراعات السماسرة والمحتكرين الذين يقتاتون على إذكاء نيران التفرقة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.