مؤتمر البعث التأسيس 1947 ومؤتمر جوبا 1947

صحيفة الهدف

 

بقلم: ماجد الغوث

خيوط الفجر المستحيل: تشريح المشهد السوداني قبيل استقلال 1956 ودحض مغالطة “الأبارتيد”

 

لم تكن لحظة رفع العلم السوداني في يناير 1956 مجرد حدث عابر، بل كانت ولادة لكيان سياسي تشكلت ملامحه في مختبر من التعقيدات التاريخية والاجتماعية. لفهم “دولة 1956” حقاً، يجب الغوص في التربة التي سبقت الاستقلال، وتفكيك بنية المجتمع والدولة آنذاك.

أولاً: السياق السياسي.. مخاض الانعتاق من ثنائية الحكم

 

خضع السودان منذ عام 1898 لسيطرة “الحكم الثنائي” (البريطاني- المصري)، وهو ما ألقى بظلاله على كينونة الدولة:

-الإرث الاستعماري: صمم البريطانيون إدارة تخدم مصالحهم، مما أوجد تفاوتاً في التنمية بين الأقاليم، لكنه في المقابل أوجد هيكلاً إدارياً حديثاً.

-الحركة الوطنية: لم تنشأ من فراغ، بل ولدت من رحم الوعي الذي قاده الخريجون، وتجسدت في أحزاب عريقة كحزب الأمة وحزب الأشقاء. كانت هذه القوى تسعى لامتلاك “السيادة” والقرار الوطني.

-مؤتمر جوبا 1947: مثّل هذا المؤتمر لحظة الحقيقة، حيث ناقش مصير السودان ككتلة واحدة، وكان بمثابة حجر الزاوية في مساعي الوحدة الوطنية التي سبقت إعلان الاستقلال.

 

ثانياً: الفسيفساء الاجتماعية والثقافية.. الهجين المتفرد

 

تميز السودان بتركيبة لا تشبه غيرها في المنطقة:

-التعددية العرقية: كان السودان –ولا يزال– قارة مصغرة تضم مئات القبائل، مما خلق بنية اجتماعية شديدة التعقيد، تطلبت إدارة سياسية مرنة وهو ما شكل تحدياً كبيراً للدولة الوليدة.

-قاطرة التعليم: لعب التعليم المدني دوراً حاسماً في صياغة الوعي الاستقلالي؛ فخريجو المدارس والجامعات كانوا هم المهندسين الحقيقيين لمشروع السيادة الوطنية.

-الهوية واللغة: تشكلت الهوية السودانية من تمازج فريد بين المكونات العربية والأفريقية. وبينما كانت اللغة العربية هي لغة التواصل الرسمي والثقافي الأوسع، ظلت اللغات المحلية حارسة للتنوع الثقافي الثري.

 

ثالثاً: المكون الديني والعسكري.. الوجدان وحائط الصد

 

-التأثير الديني: كان الإسلام، بطرقه الصوفية وطائفتيه الكبرييين، المحرك الأساسي للحياة الاجتماعية والسياسية في الشمال والوسط. وفي المقابل، كان للمسيحية في الجنوب دور تعليمي واجتماعي ساهم في تشكيل ملامح النخبة الجنوبية.

-المؤسسة العسكرية: بدأت القوات المسلحة السودانية تتشكل كقوة مهنية وطنية، أُلقي على عاتقها لاحقاً عبء حماية حدود دولة شاسعة ومترامية الأطراف في بيئة أمنية شهدت توترات قبلية مبكرة، خاصة في الجنوب.

 

رابعاً: مقارنة منهجية.. لماذا لا تشبه دولة 1956 نظام “الأبارتيد”؟

 

من الخطأ المنهجي والظلم التاريخي تشبيه “دولة 1956” بنظام “الأبارتيد” (الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا؛ فالفوارق جوهرية وعميقة:

1/ الفلسفة والمشروعية: نظام الأبارتيد كان يقوم على “عقيدة التفوق العرقي” المقننة قانوناً، حيث كان الإقصاء هدفاً “دستورياً”. أما دولة 1956، فقد قامت على فلسفة “التحرر الوطني” والسعي لبناء دولة موحدة تجمع كافة مواطنيها تحت سقف واحد.

2/ بنية التمييز: في جنوب أفريقيا، كان التمييز يقع بين “أقلية بيضاء وافدة” و”أغلبية سوداء أصيلة”. أما في السودان، فكان الصراع سياسياً وتنموياً بين “نخب وطنية” عجزت عن إدارة التنوع، ولم يكن نظاماً يقوم على فصل الأعراق بقوة القانون.

3/ الهدف والمسار: كان الأبارتيد يسعى لتثبيت القهر العرقي للأبد، بينما كانت الحكومة السودانية بعد الاستقلال تسعى (رغم إخفاقاتها الإدارية الكبيرة) لبناء دولة حديثة ومستقلة تتساوى فيها الفرص نظرياً.

 

الخلاصة: عجز الإدارة لا عنصرية التأسيس

إن الأوضاع التي سبقت استقلال السودان كانت مزيجاً من الطموح الوطني والتحديات الهيكلية. إن نقد “دولة 1956” يجب أن يتجه نحو “فشل النموذج التنموي” ومركزية السلطة وعجز النخب عن إدارة التنوع، وليس نحو وصمها بالعنصرية المؤسسية. السودان كان مشروعاً للوحدة أجهضه سوء الإدارة وتكالب السماسرة، بينما كان الأبارتيد مشروعاً للتمزيق أجهضه نضال الشعوب.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.