الأسرة بين الفلسفة والدين: جدلية البناء الاجتماعي والهوية الإنسانية

صحيفة الهدف

يوسف الغوث

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الروم، الآية (21)

اختلف كثير من الفقهاء والمفكرين حول مفهوم الأسرة، وطبيعة تكوينها، والدور المنوط بها القيام به. فالأسرة عند كارل ماركس وفريدريك إنجلز ليست كيانًا طبيعيًا أبديًا، بل بناءً اجتماعيًا وتاريخيًا ارتبط بظهور الطبقات في المجتمعات. ويريان أن التحرر الحقيقي في المجتمع الرأسمالي لا يتحقق إلا بتجاوز هذه المرحلة، ومن ثم إلغاء الطبقات الاجتماعية، وقيام علاقات أسرية قائمة على فكرة المساواة.

ويرى إنجلز أن الأسرة في المجتمعات البدائية كانت قائمة على الأمومة، نظرًا لما كانت تتمتع به المرأة من مكانة قوية آنذاك. ومع تطور الدولة وظهور الملكية الخاصة، نشأت الحاجة إلى بروز الأسرة البطريركية (الأبوية)، التي هدفت إلى تأمين نسب الأبناء، بعد أن جرى تهميش المرأة وتقليص دورها، والتعامل معها بوصفها أداة لإنجاب الأبناء.

وفي هذا السياق، يعتبر ماركس أن الزواج البرجوازي ليس سوى شكل من أشكال النفاق الاجتماعي، لما يراه فيه من استغلال اقتصادي وجنسي للمرأة. ويؤكد أن تجاوز فكرة الأسرة في مرحلة تاريخية معينة لا يعني هدم الأسرة ككيان اجتماعي، بقدر ما يعني القضاء على الملكية الخاصة والعلاقات البرجوازية القائمة على الاستغلال. فالتحرر الكامل للمرأة وتحقيق المساواة، بحسب ماركس، لا يمكن أن يتحققا إلا في مجتمع شيوعي يُلغي الطبقات والملكية الخاصة.

أما الأسرة عند ميشيل عفلق، فتُعد مفهومًا أساسيًا يتجاوز الإطار الضيق للروابط الدموية، ليمتد إلى الأسرة الكبرى المتمثلة في الأمة العربية. إذ يرى أن الأمة هي الأسرة الكبرى التي يجب على أفرادها أن يتوحدوا ويتضحوا من أجل نهضتها. ويشبّه عفلق الحزب بالأسرة الواحدة المتماسكة، ويؤكد ضرورة الإيمان بالوحدة العربية لتحقيق مجد الأمة، مع التشديد على دور التربية والتكوين الفكري للأسرة والمجتمع في بناء هذه الأمة.

ويعتبر عفلق أن الأسرة العربية هي الوحدة الأساسية للوجود الاجتماعي، وأنه ينبغي أن تسود روح الأسرة الواحدة لتحقيق الأهداف الكبرى وتجاوز الانتماءات الضيقة. ولذلك يشبّه الحزب بالأسرة الواحدة التي تجمع الرفاق، ويشترط أن يسود التفاؤل والإيمان بالهدف المشترك. كما يرى أن الترابط والتضامن، والدعوة إلى التكافل والاتحاد، شروط ضرورية ليصبح أفراد المجتمع أسرة واحدة وجسدًا واحدًا، كما في قوله: “أيها الرفاق، إن الحزب تسوده روح الأسرة الواحدة”.

وفي هذا الإطار، يرى ميشيل عفلق أن تربية الفرد وتكوينه، وتأثره بالتراث والأدب العربي، عنصران أساسيان في بناء وعيه القومي، بغض النظر عن دينه أو أصله، ويعدّ هذا الجوهر أحد مرتكزات الفكر البعثي.

ختامًا، فإن فلسفة الاختلاف الفكري حالة إنسانية وسنّة كونية؛ فالاختلاف ليس ظاهرة عرضية، بل سمة أساسية من سمات الوجود البشري، وشرطًا من شروط تطوره وثرائه، وهو ما يجعل جدلية الأسرة بين الدين والفلسفة مجالًا مفتوحًا للتفكير والنقاش المستمر.

#ملف_الهدف_الثقافي #الأسرة #فلسفة #دين #ماركس #ميشيل_عفلق #البناء_الاجتماعي #فكر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.