في ظل التجاذبات السياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة العربية، تبرز تساؤلات جوهرية حول مصير الشعوب القابعة تحت نير الأنظمة الدكتاتورية، سواء كانت شمولية أو ملكية مطلقة. تلك الأنظمة التي نجحت، لعقود، في فرض معادلة “الخبز مقابل الصمت”، ليعيش المواطن العربي في دوامة الاستهلاك “يأكل ويشرب بلا حياة سياسية”، وكأن غاية الوجود قد اختُزلت في البقاء البيولوجي فقط.
لكن، وبالرغم من هذا الركود الظاهري، هناك أصوات بدأت تنفض غبار التبعية عنها. إن ما يشهده العالم اليوم من تحول إلى “قرية صغيرة” وانفتاح الأجيال الشابة على تطلعات الحرية وقيم الكرامة الإنسانية، خلق فجوة وعي لا يمكن سدها بالوعود الواهية أو القـ.ـمع الممنهج. هنا، يتجلى الدور التاريخي للسودان، الذي لطالما كان سباقاً في كسر أطواق الاستبداد.
إن السودان، برغم جراحه الحالية، يظل هو “الترمومتر” الذي يقيس مدى قدرة الإنسان العربي على الصمود والمطالبة بالحقوق. وإذا نجحت هذه “العدوى” في التحول إلى وعي منظم، فإن الخريطة السياسية للمنطقة ستتغير حتماً، ولو بعد حين.
إن الرهان اليوم ليس على “انفجار لحظي” قد تخمده آلة القـ.ـمع، بل هو رهان على “تراكم الوعي” وتواصل الأجيال. فالشباب الذي يرى كرامته مهدورة في أوطان غنية بالموارد، لن يقبل بالبقاء في خانة “الرعية” الممتنة للعطايا، بل سيسعى ليكون “مواطناً” شريكاً في صنع القرار.
لقد علمتنا التجارب أن سقوط “الأدوات” والأنظمة المرتبطة بأجندات خارجية هو مسألة وقت، وأن الارتماء في أحضان القوى الدولية لا يحمي شرعية تآكلت داخلياً. إن التغيير المنشود، وإن بدا بعيداً أو محتاجاً لفترة زمنية طويلة، إلا أنه يسير بخطى حثيثة في العقل الجمعي العربي.
يظل الوجع السوداني اليوم هو الاختبار الحقيقي لإرادة التغيير في المنطقة. فإذا استطاع هذا الشعب العظيم أن يحول معاناته إلى مؤسسات وطنية راسخة، فإنه سيعلن للعالم أجمع أن “زمن الصمت” قد ولى، وأن فجر “الإنسان السياسي” العربي قد بدأ بالبزوغ.

Leave a Reply