في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، يسعى الكيان الصهيو.ني علنًا لتحويل سيناء إلى سجن لأهل غـ.ـزة، بينما يتواصل سعيه لضربة أخرى تنهي السطوة الإيرانية. جاء الاعتراف الإسرائيلي بصومالي لاند كخطوة لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع لإعادة تشكيل موازين القوة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فالجنوب اليمني يشتعل، والسودان يتآكل وتتكاثر فيه الميليشيات، بينما ليبيا لم تهدأ نارها بعد، وتُرسم خرائط النفوذ بهدوء تحت الجسور المنهكة للدول العربية المنكوبة.
مصر في قلب الطوق الجيوسياسي
وسط كل ذلك، تقف مصر في موقع المتفرج أو العاجز، رغم أن ما يجري يطوّقها جغرافيًا واستراتيجيًا بصورة غير مسبوقة. والاعتراف بصومالي لاند ليس مجرد خطوة دبلوماسية رمزية، بل هو فعل جيوسياسي بامتياز؛ فالإقليم يتمتع بموقع استراتيجي بالغ الحساسية على خليج عدن وباب المندب، أي عند أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وأحد المفاتيح المباشرة للأمن القومي المصري. إن وجود موطئ قدم إسرائيلي–إثيوبي، مباشر أو غير مباشر، في هذه المنطقة يعني عمليًا إضافة ضلع جديد إلى طوق النفوذ الذي يضيق حول مصر.
السودان: العمق الاستراتيجي المنهك
في الجنوب، تتفكك الدولة السودانية على مرأى ومسمع من الجميع. وليس الخطر هنا خطر الانقسام فقط، بل خطر انهيار الدولة ذاتها وتحولها إلى فراغ أمني مفتوح، قابل للاستثمار من قوى إقليمية ودولية معادية أو متنافسة. ومعلوم أن السودان ليس دولة جوار عادية بالنسبة لمصر، بل هو عمقها الاستراتيجي، وسدّها الجنوبي، وضمانة أمنها المائي. وجوهر الأمن القومي المصري يكمن في سلامة السودان ووحدة أرضه وشعبه؛ وكل يوم تستمر فيه الحـ.ـرب هناك هو يوم يُستنزف فيه الأمن القومي المصري دون طلقة واحدة على الحدود.
باب المندب وقناة السويس
أما اليمن، فإن اشتعال جنوبه يعيد فتح ملف باب المندب بقوة. ومع أي تغيير في موازين السيطرة على هذا المضيق، تصبح قناة السويس — شريان الاقتصاد المصري — أكثر عرضة للابتزاز السياسي أو التهديد غير المباشر. تُخنق مصر مائيًا، وتُسد شرايينها العذب منها والمالح. وعندما نضع الاعتراف بصومالي لاند في هذا السياق، تتضح الصورة: إعادة هندسة المجال البحري والأمني للبحر الأحمر بعيداً عن المصالح العربية، وعلى رأسها المصلحة المصرية.
وفي الغرب من مصر، لا تزال ليبيا ساحة مفتوحة، «تجري تحت جسرها مياه كثيرة» من سلاح ومرتزقة وصراعات نفوذ، ما يضيف ضغطًا مستمرًا على الخاصرة الغربية لمصر، ويستنزف قدرتها على المناورة الاستراتيجية.
أين مصر من كل هذا؟
إن دولة بحجم مصر وتاريخها وموقعها لا يمكنها أن تكتفي بردود الفعل أو بالانتظار حتى تكتمل حلقات الحصار الجيوسياسي. تُرسم خطوط حمراء يمثّلها سد النهضة، وتتجاوزها إثيوبيا بكل بساطة، وخط أحمر آخر يمسحه الكيان الصهيو.ني في غـ.ـزة. وبينما تتحدث القاهرة عن السودان كخط أحمر، يأتي الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال.
رسالة التحذير الأخيرة
إن الاعتراف بصومالي لاند يجب أن يُقرأ في القاهرة كإشارة تحذير أخيرة، لا كخبر عابر في نشرة سياسية. ولو كانت في مصر اليوم قيادة سياسية واعية بحجم اللحظة، لاعتبرت أن إيقاف الحـ.ـرب في السودان لم يعد خيارًا دبلوماسيًا، بل ضرورة وجودية.
ما المطلوب من القاهرة؟ التحرك المصري يجب أن يكون عاجلًا، مباشرًا، ومتعدد المسارات: ضغط سياسي، تفاعل أصدق مع المبادرات الإقليمية، وتنسيق عربي وإفريقي حقيقي؛ لأن ترك السودان ينزف حتى التفكك الكامل يعني فتح الباب أمام واقع استراتيجي جديد سيكون ثمنه فادحًا على مصر قبل غيرها. لتدرك مصر، قيادةً وشعبًا، أن الأمن القومي لا يُدار بالبيانات التي تنتهي إلى الصمت. ما يجري حول مصر اليوم ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل مشهد واحد متكامل، عنوانه إعادة رسم الإقليم. ومن لا يقاوم الرسم، سيجد نفسه جزءًا من اللوحة… ولكن كمساحة مُستباحة.
#الأمن_القومي_المصري #صومالي_لاند #السودان #البحر_الأحمر #القرن_الإفريقي #جيوسياسة #حسام_بيرم #ملف_الهدف

Leave a Reply