قلم : باشمهندس : عادل أحمد محمد ….
الثورة في غرفة الإنعاش: هل ابتلعت “الكتائب” ضجيج الكيبوردات؟
لم تكن الح.رب في السودان مجرد صدام عسكري بين طرفين، بل كانت “المقص” الذي قُصت به أجنحة ثورة ديسمبر المجيدة. اليوم، وفيما يزدحم الفضاء الافتراضي بضجيج “ثوار الكيبورد”، يرتسم على أرض الواقع في السودان مشهد مغاير تماماً؛ مشهد تسيطر عليه “البندقية” وتديره “الوجوه القديمة” التي عادت من نافذة الح.رب بعد أن طردتها الجماهير من باب الثورة.
لقد نجحت الح.رب في تنفيذ أخطر عملية “إخلاء” للثورة من مضمونها، وهي تهجير الشباب. هؤلاء الذين كانوا “تروس” التغيير، أصبحوا اليوم إما لاجئين يبحثون عن الأمان، أو عاطلين عن العمل في الداخل يطحنهم الفقر. هذا التفريغ الممنهج ترك الساحة خالية لعودة “الوجوه القديمة” بواجهات جديدة، مستغلةً حاجة الناس للأمن لفرض أمر واقع جديد لا علاقة له بمطالب التغيير.
تحت غبار المعارك، برزت واجهات وكتائب كلاعبين أساسيين في المشهد. هؤلاء ليسوا مجرد مقاتل.ين، بل هم “الأدوات” لنظامٍ ظن الناس أنه سقط. لقد استثمرت هذه المجموعات في حالة الفراغ الأمني لتتصدر المشهد، محولةً الح.رب إلى صكّ غفران يعيد صياغة وجودها السياسي. في هذا المشهد، لا مكان لصوت “مدني” أو “ثوري”؛ فالبندقية لا تفاوض، هي فقط تملي الشروط.
وبينما يكتب الناشطون من المنافي خلف الشاشات عن الديمقراطية، يواجه المواطن في الداخل “إرهاباً إدارياً” ومعيشياً. وزير مالية يطالب بالضرائب من مواطن منهوب، وإدارة حكومية تعود بعقلية “الجباية” القديمة. هذه السياسة هي وسيلة لإجهاض ما تبقى من روح ثورية؛ فالمواطن الذي يطحنه الجوع ويبحث عن الأمان، يصبح فريسة سهلة للقبول بأي “أمر واقع” تفرضه الكتائب، مقابل سد رمق أطفاله.
أخطر ما فعلته هذه الح.رب هو “التهجير القسري للوعي”. حين يغادر الشباب البلاد هرباً من الموت والفقر، تفرغ الساحة لـ “حاميها حراميها”. الكتائب، التي تدعي حماية الوطن هي نفسها، التي تغض الطرف عن نهب موارد المواطن. ومع غياب القضاء المستقل وتكميم الأفواه، أصبح الفساد هو “القانون” الجديد، الذي يُدير ما تبقى من مفاصل الدولة.
الثورة لم تمت، لكنها “خُنقت” بيد البندقية وعُزلت خلف “الكيبوردات”. الواقع المرير في السودان يقول إن العودة للنقطة القديمة بوجوه جديدة قد اكتملت فصولها. ولكن، إذا كان المراهنون على صمت الجوعى يظنون أنهم انتصروا، فإن التاريخ يخبرنا أن “أرشيف” الغضب المكتوب خلف الشاشات اليوم، قد يتحول غداً إلى وقود لانفجار لا تملك فيه البندقية رداً، لأن من فقد كل شيء لم يعد يخاف الموت.

Leave a Reply