قلم : باشمهندس : عادل أحمد محمد.
لم تكن ح.رب عام 1989 حرباً على السلطة السياسية فحسب، بل كانت في جوهرها حرباً “ثقافية” شرسة استهدفت وجدان الإنسان السوداني. أدركت العقلية “الإسلاموية” حينها أن السيطرة على الأرض والبترول لا تكتمل إلا بـ “تجريف العقول” وتشتيت الجيل، الذي تربى في باحات الجامعات على نصوص عاطف خيري، حماد يونس، أحمد مختار ،
وحميد، وألحان مصطفى سيد أحمد، وشموخ محمد وردي وأبو اللمين.
هدم “المنابر” وتشريد “العقول”
بدأت سياسة التجريف بضرب “المحضن الطبيعي” للوعي؛ الجامعات السودانية. تم تحويل الساحات، التي كانت تضج بالمنتديات الفكرية إلى ساحات للمواجهة، واُستبدلت المناظرات السياسية الرصينة بـ “بيوت الأشباح” وخطاب الكراه.ية. تم “تشتيت” هذا الجيل عبر سياسة “الصالح العام” الممنهجة، التي دفعت بخيرة عقول السودان إلى المنافي في كندا، وأستراليا، والخليج، وأوروبا، ليصبح السودان جسداً بلا رأس، وطناً يُفرّغ من طاقته المبدعة ليحل محلها “الولاء التنظيمي” الأعمى.
صناعة “القبح” لمحاربة “الجمال”
لأن مشروع مصطفى سيد أحمد كان يبني “الجمال الواعي”، عملت آلة النظام على إنتاج “ثقافة بديلة” تقوم على تمجيد الموت والح.روب العبثية عبر أغاني “الحماس” المشوهة، التي غيبت الوعي الوطني واستبدلته بـ “الهوس”. حورب الشعراء الذين ذكرناهم؛ ليس بالمنع الصريح دائماً، بل بالتغييب المتعمد عن مناهج التعليم وعن شاشات التلفزة الرسمية، في محاولة لقطع “الحبل السري” الذي يربط الأجيال الجديدة بإرث أكتوبر ، أبريل ، ديسمبر ، ومبادئ الحرية.
فشل “التجريف” وصمود “الجذور”
المفارقة التاريخية الكبرى هي أن “الشتات” الذي خطط له النظام، تحول إلى “سفارات وعي” للسودان في كل أنحاء العالم. الشباب الذين تشتتوا، حملوا معهم أشرطة محمد الأمين، ووردي، وكتب حماد يونس – أحمد مختار – عبد الغني كرم الله – قرشي الطيب – عصام عبد السلام – عبد الله رزق وآخرون بلاعدٍ، ولا حصر . ،،، وزرعوا هذا الوعي في أبنائهم وفي الفضاءات الرقمية. حينما قامت ثورة ديسمبر 2018، اكتشف النظام أن 30 عاماً من التجريف لم تنجح في اقتلاع “الجذور”؛ فقد خرج جيل جديد لم يعاصر مصطفى، لكنه يحفظ نصوصه كـ “تميمة” للتحرر.
الطريق نحو العودة: المنهج هو الحل
إننا اليوم، ونحن نرى ثرواتنا تُنهب ونساءنا يواجهن الجوع، ندرك أن المخرج الوحيد هو “إعادة بناء ما تم تجريفه”. لا بد من وقفة وطنية شجاعة تفرض إدراج نصوص هؤلاء المبدعين في مناهج التعليم. يجب أن يتعلم الطفل السوداني أن “الوطنية” هي ما غناه مصطفى، وأن “الأرض” هي ما كتبه صلاح حاج سعيد ، وأن “الوعي” هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار مآسي الماضي.

Leave a Reply