سقوط نظام الملالي في إيران: حين تتآكل الثورة… وينكشف الدور

صحيفة الهدف

بقلم/ ا. صلاح الدين أبو القاسم

لم يعد نظام الملالي في إيران ذلك الكيان الصلب، الذي يقدّم نفسه بوصفه وريث الثورة وحارسها الأبدي. فبعد أكثر من أربعة عقود على قيام “الجمهورية الإسلامية”، تتكشّف حقيقة أكثر قسوة: نظامٌ أنهكته تناقضاته الداخلية، واستنزفته مغامراته الخارجية، وبات يواجه مجتمعًا لم يعد يؤمن لا بشعاراته ولا بمرجعيته، ولا حتى بسرديته عن “العداء المطلق” لأمريكا والكيان الص.هيوني.

منذ سنوات، تتوالى الاحتجاجات في المدن الإيرانية بوتيرة لافتة، وتخرج هذه المرة بلا قيادات تقليدية ولا أطر أيديولوجية، ما يجعلها أكثر خطورة على النظام. لم يعد المحتجّ الإيراني يطالب بإصلاحات اقتصادية فحسب، بل يطعن مباشرة في جوهر السلطة: ولاية الفقيه. هذه هي المعضلة الكبرى؛ فالنظام، الذي بُني على قداسة سياسية–دينية فقد هالته، وحين تسقط القداسة لا تعود العصا كافية لإعادة الإيمان.

اقتصاديًا، يعيش الإيرانيون تحت ضغط خانق. العملة تتهاوى، والبطالة تتفاقم، والفساد لم يعد خللًا طارئًا بل بنية حكم. ومع كل موجة عقوبات، يكتشف المواطن أن ثمن “الصمود الثوري” يُدفع من معيشته، لا من حسابات النخبة الحاكمة. وهنا يتعمّق الشرخ بين الدولة والمجتمع، ويتحوّل النظام من “ممثل للثورة” إلى عبء عليها.

غير أن أخطر ما يواجهه نظام الملالي اليوم ليس الداخل فقط، بل انكشاف دوره الإقليمي الحقيقي. فالمشروع الذي سُوِّق بوصفه “محور مقاومة” لم يكن، في جوهره، سوى أداة لإعادة هندسة المشرق العربي على نحو يخدم تفكيك الدول، وإضعاف الجيوش، واستنزاف المجتمعات—وكل ذلك تحت مظلة صراع مُدار لا يُحسم.

من العراق بدأ المسار بوضوح: تفكيك الدولة، شرعنة الميليشيات، ضرب الهوية الوطنية، وإغراق البلاد في صراع طائفي دمّر ما تبقى من توازنها. لم تكن النتيجة “تحريرًا من الاحتلال”، بل فراغًا سياديًا طويل الأمد صبّ عمليًا في مصلحة واشنطن وتل أبيب، قبل أي طرف آخر. تكرّر النموذج ذاته في سوريا ولبنان، حيث تحوّلت “المقاومة” إلى سلطة فوق الدولة، تشلّ القرار الوطني وتمنع قيام دولة قادرة، فيما ظلّ الصراع مع إس.رائيل مضبوط الإيقاع: تصعيد محسوب، وردود مدروسة، بلا كلفة وجودية على الاحتلال.

وفي اليمن، اكتمل المشهد: ح.رب بالوكالة، تدمير دولة فقيرة، واستنزاف عربي شامل، فيما بقيت خطوط الاشتباك الكبرى بعيدة عن أي مواجهة حقيقية مع إس.رائيل. هنا يتبدّى التناقض الفاضح: نظام يرفع شعار “الموت لأمريكا” لكنه يتحرّك داخل سقوفها، ويهدّد إس.رائيل خطابًا، بينما يقدّم لها خدمة استراتيجية بتفتيت محيطها العربي.

ليس سرًا أن العلاقة بين طهران وواشنطن وتل أبيب لم تكن يومًا علاقة قطيعة مطلقة، بل صراع وظائف وتبادل أدوار. فكلما احترق الإقليم العربي، تمدّدت إس.رائيل بأمان، ووجدت أمريكا مبررًا دائمًا للبقاء، فيما قدّم نظام الملالي نفسه لاعبًا لا غنى عنه في إدارة الفوضى. هكذا تحوّل “العداء” إلى أداة ضبط، لا مشروع تحرير.

اللافت أن المجتمع الدولي لا يتعامل مع إيران اليوم بمنطق إسقاط النظام المباشر، بل بمنطق تركه يختنق بأزماته. لا إنقاذ اقتصادي، ولا تسوية شاملة، بل إدارة باردة لضعفه المتراكم. فالنظام أدّى وظيفته الإقليمية، وحان وقت تقليصه أو إعادة تدويره.

هل يعني ذلك أن سقوط نظام الملالي وشيك؟ ليس بالضرورة، لكنه بات ممكنًا أكثر من أي وقت مضى. فالتاريخ يخبرنا أن الأنظمة العقائدية لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء، إلى أن تأتي لحظة لا تستطيع فيها القمع ولا الإصلاح. وعندها، قد لا يكون السؤال: هل سيسقط النظام؟ بل: كيف، وعلى يد من، وبأي كلفة على الإقليم؟

في النهاية، ما يواجهه نظام الملالي اليوم ليس مؤامرة خارجية بقدر ما هو حصيلة خياراته. ثورة تحوّلت إلى سلطة مغلقة، ومقاومة تحوّلت إلى وظيفة، ودولة رُبط مصيرها بعقيدة لا تقبل التعدد ولا تعترف بالأوطان. وحين تعجز السلطة عن تجديد نفسها، وينكشف دورها الحقيقي، يصبح السقوط مجرد مسألة وقت.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.