تأملات في زمنٍ اختلّت فيه الموازين

صحيفة الهدف

عصام الدين حسن

أحيانًا لا نعلم إلى أين تمضي بنا الحياة، لكننا نواصل المسير على أمل أن نبلغ نهاية تُنسينا مشقّات الطريق. العابرون في حياتنا كُثُر، أمّا رفقاء الروح فقليلون؛ فهناك أرواح لا نراها بالعين، لكننا نشعر بها بقلوبنا.

مرحبًا بكم في عالمٍ غريب، أصبحت فيه المحرَّمات تُستهلك بلا كلفة، والكذب حيلة مشروعة، بينما صارت اللقمة الحلال عبئًا ثقيلًا. عالمٍ يصل فيه طلب البيتزا أسرع من وصول سيارة الإسعاف، ويغدو فقدان الهاتف أكثر إيلامًا من فقدان الكرامة. عصرٌ تراجع فيه الوفاء وجبر الخاطر إلى خانة “الطراز القديم”، وأصبح المال هو التمثال الجديد للحرية والعدالة والمساواة. نعم، مرحبًا بكم في هذا الزمن الموحش؛ حيث صار الكذب فهلوة، والخيانة ذكاء، والفقر عيبًا. حيث تُعَدّ الملابس الضيّقة قمة الأناقة، ويُصنَّف التحشّم تخلفًا في نظر كثيرين، ويُسمّى كسر الخاطر صراحة، بينما يُتَّهم جبر الخاطر بالسذاجة.

أمّا البلاء والنعمة، فهما رسالتان تختلفان في اللغة، لكنهما تتوحّدان في الغاية. فالبلاء قد يأتي في ثوب حزن، والنعمة في هيئة فرح، وبينهما امتحان الغفلة وميزان الإيمان. أحيانًا يكون المنع خيرًا: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وأحيانًا تكون النعمة ابتلاء: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾. ولو كُشف للناس سرّ الأقدار، لعلموا أن المنع أحيانًا أوسع عطاءً من الأخذ. فكم من يدٍ امتلأت وخَلَت من الشكر، وكم من قلبٍ فرغ من الدنيا فامتلأ باليقين والصبر. ومن عرف نفسه في الشدّة، عرف الله في الرخاء. اللهم أنت العون لمن توكّل عليك، وأنت النصير لمن فوّض أمره إليك، وأنت الحبيب لمن أحبّ العودة إليك.

#ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #تأملات #قيم #وعي #روحانيات #زمن_مختل

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.