قلم: م. عادل أحمد محمد
ننتقل إلى جرح آخر، لا يزال ينزف حديثًا، في فنزويلا، التي تعيش منذ 3 يناير 2026 حالة من “الزلزال السياسي” عقب العملية العسكرية الأمريكية المباغتة “عملية الحسم المطلق” التي أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. المشهد الفنزويلي اليوم يعكس ازدواجية مريرة بين “الشرعية” و”الأمر الواقع”. ففي كاراكاس، تتولى ديلسي رودريغيز (نائبة مادورو السابقة) منصب “الرئيسة المؤقتة” بقرار من المحكمة العليا الموالية للنظام، بينما في واشنطن، يعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن حقبة مادورو انتهت، ويعترف بإدموندو غونزاليس أوروتيا (الفائز المفترض في انتخابات 2024) كرئيس شرعي.
إن المأساة الفنزويلية تكمن في أن كلا الطرفين قد تمترسا خلف مواقف لا تقبل المساومة؛ فبينما يرى النظام في كاراكاس أن السيادة تبرر القمع، ترى واشنطن أن الديمقراطية تبرر الاختطاف والتدخل العسكري. وفي هذا الصراع العنيف بين “مطرقة” العقوبات والتدخل، و”سندان” التشبث بالسلطة، يبقى المواطن الفنزويلي هو الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن من أمنه، وعيشه، ومستقبل أبنائه. فنزويلا اليوم تقف على حد سيف حاد؛ فبينما يرى البعض في اعتقال مادورو “بشير فجرٍ” لديمقراطية طال انتظارها، يراه آخرون “انتكاسة” لسيادة القانون الدولي.
السودان وفنزويلا: هل يجمع “الفصل السابع” بين جرحين؟
إن المتأمل في الجرح الفنزويلي النازف، لا يملك إلا أن يستحضر إرث شعراء بلادي العظماء، أولئك الذين علّمونا أن الأوطان لا تُبنى فقط بالزحام، بل بالسيادة التي تعانق الروح في “حب الأديم”. فبينما يصارع الشعب الفنزويلي اليوم للخروج من نفق الاستقطاب بين مطرقة التدخل وسندان الديكتاتورية، نجد في تجاربنا السودانية دروساً بليغة.
هنا يكمن التحذير الأكبر: إن استدعاء “الفصل السابع” للملف السوداني هو بمثابة استيراد “للجرح الفنزويلي” بتمام تفاصيله المؤلمة. فالمجتمع الدولي الذي يتباكى على الديمقراطية في كاراكاس هو نفسه الذي قد يحول الخرطوم إلى ساحة وصاية دولية. إننا نخشى أن يأتي يومٌ نردد فيه مع صلاح أحمد إبراهيم كلمات الوجع على وطنٍ سُلب قراره، ليس لأننا عجزنا عن البناء، بل لأننا سمحنا للغرباء بأن يكتبوا فصول تاريخنا بمداد الفصل السابع. إن السيادة التي تغنى بها التني لا تستقيم مع “بساطير” الأجانب، وإن الفجر الذي ننتظره يجب أن يكون سوداني الوجه واليد واللسان، لا فجراً يُصنع في أروقة الأمم المتحدة.
إن التحرر الحقيقي ليس عطيةً تأتي على متن بوارج غريبة، بل هو “سنا الفجر” الذي ينبثق من إرادة وطنية خالصة، تماماً كما تغنت بها أرض السودان في ثوراتها المتتالية. لذا، فإن الدعوة ملحة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، للوحدة الوطنية كسبيل وحيد لتجنب مصير فنزويلا. فوحدة الصف هي الحصن المنيع ضد كل تطاول، سواء جاء من تغريدة حاقدة، أو من مطامع دولية تخبئ أنيابها خلف نصوص “الفصل السابع”.

Leave a Reply