تغنّوا لهن وبهن: نساء سطرن التاريخ بالوتر والقوافي.. ملحمة النضال والجمال في الوجدان السوداني

صحيفة الهدف

الخرطوم: عمر سفيان

تنساب في فضاءات الإبداع السوداني سيرة نساءٍ لم يكنّ مجرد عابرات في خيال الشعراء، بل كُنّ صانعاتٍ للتحولات الكبرى، ومُلهماتٍ حوّلن القصيدة من مجرد بوح عاطفي إلى وثيقة تاريخية ونضالية. إن المتأمل في الأدبيات السودانية، قديماً وحديثاً، يجد أن اسم المرأة اقترن دائماً بلحظات الانعتاق والمقاومة، فمنذ عهد الممالك النوبية القديمة التي خلدت لقب “الكنداكة” كرمز للملكة القائدة، وصولاً إلى العصر الحديث، ظل الشاعر والمغني السوداني يرى في المرأة وجه الوطن وتضاريس الهوية.

تبدأ هذه الملحمة من صرخة الحماسة التي أطلقتها المهيرة بت عبود، تلك الفارسة التي لم يكتفِ التاريخ بتدوين شجاعتها، بل صارت مادةً دسمةً لـ”أغاني الحماسة” و”الدوبيت”. المهيرة التي وقفت في معركة كورتي عام 1820م، كانت تُخاطب في الرجال مكامن العزة، فاستدعتها الحناجر السودانية عبر العصور كلما دعت الحاجة للثبات، وصارت قصائدها وأسلوبها في “الزغاريد” الحربية مدرسةً في الأدب الشعبي السوداني. وبجانبها تقف رابحة الكنانية، التي خلدتها الأغنيات الوطنية كرمز لليقظة، فهي المرأة التي قطعت الفيافي سيراً لتسبق جيش المستعمر وتنذر الثوار، فتحول اسمها إلى أيقونة للفطنة والوفاء للتراب.

ومع بزوغ فجر الحركة الوطنية الحديثة، تجلت عزة محمد عبد الله كأبرز سيدة غنى لها السودانيون، ليس فقط لجمالٍ صوّره خليل فرح في رائعته “عزة في هواك”، بل لأنها كانت رفيقة المناضل علي عبد اللطيف وشريكته في ثورة 1924م، كأول امرأة سودانية تقود نشاطاً سياسياً حديثاً في فترة الاستعمار، لتصبح رمزاً للوفاء والعزة الوطنية.

لقد استخدم الخليل اسم “عزة” كرمزٍ مزدوج يجمع بين المرأة الحقيقية والسودان المستلب، فصارت عزة منذ ذلك الحين هي “الأم الرؤوم” والوطن الذي يُفتدى بالأرواح، وما تزال هذه الأغنية هي النشيد العاطفي والوطني الأول الذي يربط بين نضال المرأة وحرية الأرض.

وفي حقبة “غناء الحقيبة”، تضاعفت أسماء السيدات اللائي سكنّ القصائد، فنجد ظبية المسالمة الراحلة عزيزة منديل، التي كانت رمزاً لحسناوات أم درمان في حي المسالمة العريق حيث التعدد الديني والتعايش. وبنت النيل التي أصبحت وصفاً لكل سودانية تفيض رقةً وشموخاً. وفي شرق السودان، ما تزال قصة تاجوج المُحلِّق هي المأساة العاطفية الأكثر حضوراً في الأدب، حيث صاغ فيها الشعراء قصائد “الدوبيت” التي تصف جمالاً أدى إلى فتنة عظمى، مما جعل من تاجوج رمزاً للجمال الذي يربك القلوب والقبائل على حد سواء.

أما في العصر الحديث، فقد ارتقى الشاعر الراحل محمد الحسن سالم حميد بالمرأة إلى مصاف الرمزية الجماعية من خلال شخصية “ست الدار”، التي جسدت في قصائده، ولحنها محمد وردي، صوت المرأة السودانية الكادحة. “ست الدار” ليست مجرد امرأة، بل هي المعلمة، والمزارعة، وغيرها من النساء المهمومات بستر الحال، فصارت مدرسةً في “أدب المقاومة” الواقعي.

وبجانبها نجد “مريم” عند محجوب شريف، فهي الأم التي تقاوم الظلم وتكتب الرسائل للأزواج والأبناء في المعتقلات، وغالب الظن يقصد والدته التي سمّى ابنته عليها فيما بعد. ومريم الأخرى عند الشاعر محمد عبدالله شمو لتكون الرفيقة الرمزية التي تُعين على احتمال مرارة الغربة والاغتراب، وتغنّى بها الأستاذ الراحل مصطفى سيد أحمد.

وصولاً إلى اللحظة الراهنة، حيث أعاد جيل الثورة إحياء لقب “الكنداكة (المرأة الحاكمة والقوية في الحضارة الكوشية)”، ليُطلق على كل امرأة سودانية وقفت وناضلت وتصدت لنظام الإسلامويين، وتصدرت ثورة ديسمبر، وبرزت في منصات الاعتصام، مخلدين أسماء مثل آلاء صلاح التي تحولت صورتها وهي تهتف إلى “أيقونة غنائية”، وصورتها الفوتوغرافية إلى “لوحة فنية” ألهمت الشعراء والمغنين حول العالم، ليعيدوا صياغة نضال المرأة السودانية في قالبٍ يمزج بين المجد القديم والطموح الجديد.

إن هذا السجل الحافل من الأسماء، من المهيرة وتاجوج وعزة، وصولاً إلى ست الدار والكنداكات المعاصرات، يؤكد أن الأدب السوداني لم يُنصف المرأة جمالياً فحسب، بل جعلها “حائط الصد” والبوصلة الأخلاقية والسياسية للمجتمع. فخلف كل أغنية سودانية خالدة، تقف امرأةٌ حقيقية أو رمزية، كانت هي المحرك الحقيقي للحدث، مما جعل الوجدان السوداني نسيجاً متصلاً من الوفاء لهؤلاء السيدات اللائي سطرن التاريخ بالصمود والجمال.

#ملف_المرأة_والمجتمع #المرأة_السودانية #نضالات_المرأة #أدب_الحقيبة #عزة_في_هواك #الكنداكة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.