تسنيم حومد سلطان
أقفُ على حافةِ الجمعِ
كخطأٍ مطبعيٍّ فادحٍ
في كتابِ “السّعادة” المتدوال…
الجميعُ هنا مزدوجون كأقواسِ الاقتباس،
يتبادلون أنخابَ الفراغِ المعبّأ في كؤوسِ الكريستال..
بينما أتكورُ أنا على ناصيةِ المعنى
كنقطةٍ حاسمةٍ في آخرِ السطر،
تعلنُ انتهاءَ الكلامِ قبلَ أن يبدأ.
وحدتي ليست فراغاً..
إنها اكتظاظٌ مفرطٌ بالذات..
لم أغلقِ النافذةَ هرباً من الضجيج،
بل لئلا يتسربَ مني “الكونُ” إلى الخارج
فيُصابَ العالمُ بدوارِ العمق…
قد يقال:
أنني المرأةُ التي نسيتْ كيفَ تكونُ “أنثى” في مرايا الرجال،
لكنني..
في كلِّ مرةٍ حاولتُ فيها الحبَّ
كنتُ أبحثُ عن محيطٍ يقرأُ ملوحتي،
فلم أجدْ سوى سواقٍ ضحلةٍ
تخافُ الغرقَ في فنجانِ قهوتي…
حاولوا تهجئتي كقصيدةٍ غزليةٍ خفيفة،
بينما كنتُ أنا ملحمةً جنائزيةً
مكتوبةً باللغةِ المسمارية
لا يفكُّ طلاسمها إلا الموتى.. أو المجانين…
النساءُ اللواتي يسكنّني لسنَ حزينات،
إنهنّ فقط مشغولاتٌ بترتيبِ الفوضى الكونيةِ في رأسي،
إحداهنَّ تبري أقلامَ الرصاصِ بأنيابِ القلق،
والأخرى تخيطُ فمَ الليلِ كي لا يفشي سرَّ الأرق،
وأنا..
أنا الحارسةُ العجوزُ لهذه القلعةِ المهجورة،
أجلسُ فوقَ ركامِ عواطفي
لا أنتظرُ فارساً،
ولا أحلمُ بمركبةٍ تجرها الخيول…
حتى حين قايضتُ صقيعَ وحدتي بدفءِ الحبِّ،
كنتُ أرتكبُ خطأً هندسياً فادحاً..
حاولتُ أن أسكبَ محيطاً هادراً
في دورقِ ماءٍ منزليّ…
لم يكن صغيراً في عينيّ..
كان ومازال شاهقاً،
ولهذا كانت سقطتي منهُ مروّعة…
وضعتُ قلبي بين يديهِ طازجاً، راجفاً، وماثلاً للأمر،
كما يضعُ المؤمنُ قربانَه الأخيرَ على عتبةِ المعبد،
ظانةً أنَّ علياءه سيتسعُ لطقوسي،
وأنَّ وقارهُ سيفردُ عباءتهُ ليحتوي جنوني،
يُفصّلُ له وقتاً خارجَ عقاربِ الساعة،
ومكاناً لا تحكمهُ قوانينُ الجاذبيةِ الأرضية…
لكنهُ.. وبكلِّ هدوءِ الـقـ.ـتلة المحترفين،
أخذَ مجراتي المتفجِّرة،
ونظرَ إليها عبرَ مجهرِ “العقل”،
ثم أصدرَ حكمهُ البارد: “أنتِ حساسةٌ جداً”.
بكلمةٍ واحدة..
حوّلَ ثروتي الشُّعوريةَ إلى “عِلّة”،
واختصرَ حرائقي الكونيةَ في “نوبةِ قلق”.
كنتُ أنتظرُ منهُ أن يقرأني كوحْيٍ غامض،
فبادرَ إلى “علاجي” كحالةٍ مرضيّة..
ربما أرادَ أن يُهذّبَ العاصفةَ
لتصبحَ نسيماً يُلائمُ ستائرَ نافذته،
وحينَ عجزَ عن ترويضِ البرقِ في دمي،
حبسني داخلَ قفصِ “الحساسية”،
ذلكَ القالبُ الضيقُ الذي خنقَ صوتي،
فأصابني هذا الصمتُ الرهيب…
ليس صمتَ الهدوء، بل صمتُ الإطباق…
صمتُ من صرختْ بكلِّ جوارحها:
“أنا أحبكَ بفيضانِ الروح”،
فتمَّ الردُّ عليها بـ: “اهدئي، أنتِ تُبالغين”.
لقد قـ.ـتلني بتفسيراته..
جعلني أخافُ الحبَّ
كما يخافُ الطيرُ من السماءِ الزجاجية،
تلكَ التي تبدو مفتوحةً ورحبة،
لكنها تكسرُ عنقكَ إن صدّقتَها…
خيبتي ليست فيهِ كشخص،
بل في “الفهم” الذي لم يحدث،
في اللغةِ التي تكسّرت بيننا..
أنا أتكلمُ بلغةِ الاحتراق،
وهو يترجمها بلغةِ الإطفاء..
لذا، عدتُ إلى وحدتي..
هنا، في زنزانةِ العزلةِ الاختيارية،
لا أحدَ يُسمّي شغفي “دراما”،
ولا أحدَ يُشخّصُ موتي البطيءَ على أنهُ “مزاجية”.
هنا فقط..
يمكنني أن أكونَ “حسَّاسةً” حتى الانفجار،
دون أن أخدشَ “منطق” أحد..
اللهُ لا يهملني..
لكنهُ يحترمُ رغبتي في أن أكونَ “ربّةً صغيرة” لحزني الخاص..
عوضاً عن أن أكون “ربَة منزل”..
يعلمُ أنني لا أطاردُ الحياةَ كالقططِ الجائعة،
بل أقفُ لها بالمرصادِ كتمثالٍ من ملح،
أنتظرُ عربةَ “ديكنسون” لا لأركبها كضيفة،
بل لأقودها..
نحو الهاويةِ التي تليقُ بامرأةٍ
لم يتسع لها النص،
فصارت هي.. الهامشَ والمتنَ والعدم….
#تسنيم_حومد_سلطان #ملف_المرأة_والمجتمع

Leave a Reply