صلاح الدين ابوالقاسم
في ظل تصاعد المعارك واتساع رقعتها، عادت حكومة الأمر الواقع في بورتسودان إلى طرح مبادرات لوقف إطلاق النار، متزامنة مع خطاب سياسي في المحافل الدولية يوحي بالانفتاح على السلام. غير أن هذا الخطاب، عند وضعه في سياقه الميداني، يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت المبادرة تعبيرًا عن إرادة حقيقية لإنهاء الحرب، أم مجرد أداة لكسب الوقت وإعادة ترتيب المواقع.
ما يجري في السودان اليوم تجاوز كونه صراعًا على مدن أو خطوط تماس، ليصبح معركة على بقاء الدولة نفسها. فاستمرار الحرب، تحت غطاء هدنات هشة، يساهم في إنهاك المؤسسات، وتفريغ مفهوم السيادة من مضمونه، وفتح الباب أمام سيناريوهات التفكك أو التدويل.
تحركات إقليمية ودولية عديدة تدفع في اتجاه وقف القتال، بدافع الخوف من انهيار كامل للسودان وتداعياته على الإقليم. لكن هذه الضغوط تصطدم برفض واضح من قوى داخل معسكر السلطة، وعلى رأسها التيار الإسلامي المرتبط بتنظيم الإخوان المسلمين، الذي يرى في إنهاء الحرب تهديدًا مباشرًا لفرص عودته السياسية. هذا التيار يتعامل مع الحرب كرافعة لإعادة إنتاج نفوذه، لا ككارثة وطنية يجب إيقافها.
وفي هذا السياق، يكثر الحديث عن أدوار دول إقليمية مثل مصر وتركيا وقطر وايران والامارات. ورغم اختلاف مستويات التأثير، فإن المؤكد أن الصراع السوداني بات ساحة تقاطع مصالح، بينما يظل القرار الوطني رهينة لحسابات داخلية ضيقة تستخدم الحرب كورقة تفاوض، لا كخطر وجودي على الدولة.
المعضلة الأساسية أن وقف إطلاق النار، بصيغته الحالية، يُطرح بلا رؤية سياسية شاملة تعيد تعريف الصراع بوصفه أزمة دولة، لا نزاعًا بين قوتين مسلحتين. وبدون مسار سياسي مدني واضح، وآليات تنفيذ وضمانات حقيقية، ستظل المبادرات مجرد محطات لالتقاط الأنفاس، لا خطوات نحو السلام.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس استمرار المعارك فحسب، بل تحويل الحرب إلى أداة سياسية. فحين يصبح كسب الوقت أولوية، تتحول الدولة نفسها إلى الخاسر الأكبر، وتُدفع البلاد تدريجيًا نحو المجهول.

Leave a Reply