حين تُصبح القيم امتحانًا يوميًا: قراءة سلوكية–نفسية في مقولة : (انقلوا تقاليد الحزب إلى الدولة… ولا تنقلوا تقاليد الدولة إلى الحزب).

صحيفة الهدف

أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

ليست بعض العبارات شعارات عابرة، بل مرايا أخلاقية تُختبر عند أول احتكاك بالواقع. ومقولة الشهيد القائد صدام حسين: (انقلوا تقاليد الحزب إلى الدولة، ولا تنقلوا تقاليد الدولة إلى الحزب) تنتمي إلى هذا النوع من العبارات، التي تُقاس قيمتها لا بكثرة ترديدها، بل بقدرتها على إعادة تشكيل السلوك الإنساني في العمل، وفي المجتمع، وفي المهنة، وفي السلطة، وحتى في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية.

هذه المقولة، في جوهرها، ليست توجيهًا تنظيميًا بقدر ما هي تحذير نفسي وأخلاقي من خطر التحوّل الصامت: تحوّل الإنسان من صاحب رسالة إلى موظف، ومن حامل قيم إلى صاحب مصلحة، ومن فاعل أخلاقي إلى كائن يتكيف مع الرداءة باسم (الواقعية).

1. الحزب بوصفه مدرسة قيم… لا جهازًا إداريًا: في بعدها السلوكي، تفترض المقولة أن الحزب – حين يكون حزب فكرة ورسالة – هو فضاء لتربية الضمير قبل أن يكون إطارًا للسلطة. تقاليده ليست لوائح، بل منظومة أخلاقية: (الصدق، الانضباط الذاتي، التضحية، احترام الوقت، الإيمان بالغاية العامة، والمساواة بين الرفاق).

وحين يُطلب نقل هذه التقاليد إلى الدولة أو المجتمع أو المهنة، فالمقصود هو ترقية المجال العام أخلاقيًا، لا تحويل الحزب إلى نسخة مصغّرة من بيروقراطية الدولة.

2. الدولة كاختبار أخلاقي لا كمغنم: نفسيًا، تكشف التجربة الإنسانية أن السلطة تغيّر السلوك أسرع مما نعتقد. الدولة – بما تحمله من نفوذ، وامتياز، وتسلسل هرمي – تُغري الإنسان بأن يتخلى تدريجيًا عن قيمه باسم (الضرورات) و(التوازنات) و(الواقع).

من هنا يأتي التحذير العميق في المقولة: لا تسمحوا للمنطق النفعي، وللغة المكاتب، ولبرود الإجراءات، أن تتسرّب إلى روح الفكرة.

فحين تنتقل تقاليد الدولة إلى الحزب، تبدأ الانكسارات الصامتة:

أ‌- يتحول الرفيق إلى موظف.

ب‌- تُستبدل المبادئ بالحسابات.

ت‌- يصبح الصمت حكمة، والتواطؤ واقعية، والتراجع نضجًا.

وهنا لا تنهزم الفكرة دفعة واحدة، بل تذبل ببطء.

3. المجتمع والمهنة… الامتحان اليومي للقيم: الأعمق في هذه المقولة أنها لا تتوقف عند الدولة، بل تمتد ضمنيًا إلى المجتمع والمهنة والوظيفة. فالإنسان لا يعيش قيمه في الخطب، بل في:

أ‌. كيفية تعامله مع الناس.

ب‌. أمانته في عمله.

ت‌. عدالته في موقع المسؤولية.

ث‌. احترامه للضعفاء حين لا يراقبه أحد.

أن تنقل تقاليد الحزب إلى مهنتك، يعني:( أن تكون طبيبًا لا يتاجر بالألم، ومعلمًا لا يبيع الضمير، وموظفًا لا يختبئ خلف الروتين، ومسؤولًا يرى المنصب تكليفًا لا امتيازًا).

4. المعنى النفسي العميق… (مقاومة التكيف مع الخطأ): من منظور نفسي، أخطر ما يصيب الإنسان هو التكيّف مع الخطأ. حين يبرر لنفسه ما كان يرفضه بالأمس، وحين يعتاد القبح لأنه شائع، وحين يقنع ذاته أن (الجميع يفعل ذلك). المقولة هنا تعمل كـ صوت داخلي يقظ، يذكّر الإنسان بأن:( الظرف لا يخلق الأخلاق… بل يكشفها. وأن القيمة الحقيقية للفكرة تظهر عندما تصبح مكلفة، لا عندما تكون سهلة).

5. في أدبيات الأستاذ القائد المؤسس (أحمد ميشيل عفلق)، (له الرحمة والمغفرة)، لا تُستدعى الطفولة بوصفها مرحلة ضعف، بل بوصفها عهد البطولة الأول؛ المرحلة التي يتكوّن فيها الإنسان على الفطرة القيمية الصافية، قبل أن تلوثها الحسابات، وقبل أن تُروَّضها المساومات، وقبل أن يُعاد تشكيلها بمنطق المنفعة والخوف.

ففي هذا العهد المبكر، يتعلّم الإنسان معنى الصدق دون مقابل، والشجاعة دون ضمانات، والانحياز للحق دون انتظار ثمن. ومن هذا المعنى تحديدًا، يمكن فهم المقولة:( انقلوا تقاليد الحزب إلى الدولة… ولا تنقلوا تقاليد الدولة إلى الحزب)، بوصفها دعوةً لاستعادة روح عهد البطولة داخل العمل العام؛ تلك الروح التي ترى في الالتزام شرفًا، وفي التضحية معنى، وفي المسؤولية تكليفًا أخلاقيًا لا سلطةً مريحة.

وفي هذا السياق، لا ينفصل الإيمان في عقيدة البعث عن الفعل، ولا يُختزل في خطاب وعظي أو ممارسة طقسية، بل يتجسّد كـ إيمان بالإنسان، وبالأمة العربية، وبالقدرة على التغيير. إنه إيمان بالرسالة حين تكون مكلفة، وبالقيم حين تُختبر، وبالحرية حين تصبح ثمنًا لا شعارًا.

وحين يكتمل هذا الإيمان مع روح عهد البطولة، يصبح المناضل محصّنًا من الانكسار الأخلاقي: لا يتبدّل بتبدّل المواقع، ولا يتكيّف مع الخطأ لأنه شائع، ولا يستعير أعذار الدولة ليبرّر سقوط الفكرة.

وهنا تحديدًا، تتحول المقولة من توجيه تنظيمي إلى ميزان أخلاقي دائم: ميزان يزن السلوك قبل الموقف، والضمير قبل القرار، والقيمة قبل المصلحة.

6. المقولة كمنهج حياة: في معناها الأخير، يمكن قراءة هذه العبارة بوصفها منهجًا للحياة:( أن تحمل قيمك معك أينما ذهبت، وألا تسمح للمكان أن يُعيد تشكيل ضميرك، وألا تبرر سقوطك بأن (الواقع هكذا).

فالأمم لا تنهض حين تتغير الأنظمة فقط، بل حين ينجح الإنسان في أن يبقى وفيًّا لقيمه وهو داخل السلطة، ووسط المجتمع، وفي قلب المهنة، وتحت ضغط الحياة. هنا، فقط، يصبح نقل التقاليد فعلًا حضاريًا، ويصبح الإنسان ذاته جسرًا بين الفكرة والواقع.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.