بقلم: م/ عادل أحمد محمد
بعد سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، ساد تفاؤل عريض بأن “الحركة الإسلامية” قد خرجت نهائيًا من التاريخ السياسي للسودان. لكن، ومع تعاقب الأزمات وصولًا إلى انفجار الح.رب، يبرز سؤال مقلق يفرض نفسه على الواقع: هل انتهى نفوذ هؤلاء فعلًا، أم أنهم أعادوا إنتاج أنفسهم بشكل أكثر خطورة وفتكًا؟
أولًا: سقوط السلطة لا يعني سقوط النفوذ
ما خسرته الحركة الإسلامية في 2019 كان مجرد “واجهة الحكم” الرسمية، لكنها لم تخسر الشبكة الأخطبوطية، التي نسجتها على مدار ثلاثين عامًا. هذه البنية لا تنهار بقرار ثوري، بل هي شبكات متغلغلة في مفاصل الدولة، وتنتظر اللحظة المناسبة لإعادة التموضع من جديد.
ثانيًا: الأخطبوط المالي.. تمويل “الدولة الموازية”
أحد أخطر أسلحة الحركة في “مرحلة الظل” هو سيطرتها على موارد اقتصادية ضخمة بعيدًا عن خزينة الدولة المشلولة. هذا النفوذ الاقتصادي يتغذى عبر:
• الشركات الواجهة: شركات مسجلة بأسماء أفراد لا يظهرون في الكشوفات الحزبية، لكنهم يديرون استثمارات ضخمة في قطاعات الذهب، الصادر، والسلع الاستراتيجية.
• تمويل الفوضى: استخدام المال السياسي لشراء الولاءات، وتمويل الاحتجاجات المصطنعة، أو دعم أطراف النزاع لضمان استمرارية حالة اللا-دولة.
• تجفيف منابع التغيير: قدرة هذه الشبكات على التلاعب بأسعار الصرف وخلق أزمات معيشية لضرب الحاضنة الشعبية لأي مشروع مدني بديل.
ثالثًا: التضليل الإعلامي.. غسيل العقول والواقع
لم تكتفِ الحركة بالمال، بل وظفت آلة إعلامية ضخمة تعمل بذكاء في العتمة من خلال:
• غرف “الذباب الإلكتروني”: صناعة تريندات وهمية، ونشر الشائعات، التي تهدف لتخوين القوى المدنية وزرع اليأس في نفوس الثوار.
• استراتيجية “غسيل السمعة”: إعادة تقديم رموز النظام السابق كـ “خبراء” أو “منقذين” في ظل الفشل الأمني والاقتصادي الراهن.
• صناعة العدو البديل: توجيه الرأي العام نحو صراعات جانبية (قبلية أو جهوية) لصرف النظر عن استعادة الحركة لنفوذها المفقود.
رابعًا: الح.رب.. البيئة المثالية للعودة
جاءت الح.رب الحالية لتمثل “الفرصة الذهبية” للحركة، حيث غابت الدولة وتلاشت المحاسبة. في هذا الفراغ، يتم إعادة تدوير رموز النظام السابق، وتُدفن الأسئلة المتعلقة بج.رائم الماضي، وتُقدَّم الفوضى للشعب كقدر لا مفر منه، ليعود “الكيزان” كلاعبين أساسيين دون الحاجة للظهور في الصورة.
خامسًا: نفوذ “تعطيلي” بلا رؤية
الخطر الأكبر اليوم هو أن الحركة لا تقدم مشروعًا وطنيًا، بل يرتكز نفوذها على “التعطيل” فقط: تعطيل بناء الدولة، كسر أفق التغيير، وتأجيل استحقاقات العدالة. إنه نفوذ يعمل في العتمة، مما يجعل تفكيكه أصعب بمراحل من مواجهة حكمهم السابق.
سادسًا: كيف يُكسر هذا النفوذ؟
إن مواجهة هذا التغلغل تتطلب استراتيجية وطنية شاملة تعتمد على:
1. دولة قانون حقيقية: قادرة على ملاحقة الأموال المنهوبة والشركات الواجهة.
2. محاسبة عادلة لا انتقائية: لضمان عدم إفلات رؤوس الفتنة من العقاب.
3. إصلاح مؤسسي شامل: لتنظيف مفاصل الدولة من الولاءات الحزبية المختبئة.
4. قوى مدنية موحدة: تملك الوعي الكافي لكشف ألاعيب التضليل الإعلامي.
الخلاصة
الكيزان لم يُهزموا سياسيًا بعد، بل أُزيحوا مؤقتًا. واليوم، يحاولون العودة ليس كحكام، بل كـ “قوة خفية” تدير الخراب من وراء الستار. السؤال الحقيقي الموجه لكل السودانيين: هل سنسمح لهذه الشبكات أن تبتلع مستقبلنا مرة أخرى؟

Leave a Reply