د.إشراقة مصطفى حامد
من أهم الأسئلة التي نثرت بذورها، سؤالٌ طرحته طالبة ماجستير برازيلية بعمقٍ لافت، مستحضرةً أسماء مثل ماركيز، وجورج أمادو، وإيزابيل الليندي. ولأن هذا السؤال مركزي في مسيرتي، وددتُ أن أُشرككم في ردي عليها.. (مترجم عن الألمانية).
الكتابة عندي ليست ترفًا جماليًا، ولا تمرينًا لغويًا محايدًا. الكتابة فعلُ وجودٍ ومـ قـ.ـاومة. أحمل في النص ذاكرةً مثقلةً بالعذابات والمفاهيم والرؤى، وصوتًا طُلب منه طويلًا أن يكون هامشيًا أو صامتًا. لذلك يصبح الأدب مساحةً لاستعادة الصوت، ومعرفةً مضادّة تكشف ما أُخفي عمدًا، وتربط بين التجربة الفردية والبُنى التي أنتجت القمع.
الأدب هنا لا ينفصل عن الفعل العام؛ إنه يفكّك البُنى التي تُطبّع الظلم، ويعيد تسمية التجربة من داخلها، واضعًا المسألة الإثنية، والجندر، والطبقة، وغيرها، في سياق واحد لا يقبل التجزئة. حين أكتب عن الجسد، أو اللغة، أو المنفى، عن الحب أو الـ ح.رب، فإنني أكتب من منبع هويتي، من كوني أنا.
الكتابة حريتي التي لا أفرّط فيها أبدًا. لحظة الكتابة تعجنني وتعيد تشكيلي، وهي ما لا تتعب أفراسي ركضًا نحو جمالياتها ووعيها. إنها حالة التخلّق، والمسؤولية، والالتزام. تجاربي تشكّلت على مهل، وغالبًا لا أركض إلا نحو لحظة الكتابة؛ تلك اللحظة التي إن مضت لن تعود. فكيف أترك فرحًا فريدًا يفلت مني؟
الناشطة تسعى إلى التغيير في الشارع والمؤسسة، والكاتبة تشتغل على الوعي من خلال عوالمها المتخيلة. لكن عند تقاطع الأدب والنشاط، تتكوّن لغةٌ تربط الحرية بالمسؤولية الجماعية، وتفهم المـ قـ.ـاومة بوصفها مسارًا طويلًا لا حدثًا عابرًا. من هذا الموقع أرى الكتابة التزامًا أخلاقيًا: أن أكتب ضد المحو، ومع الحياة، وأن أترك في النص أثرًا يقول: إننا كنا هنا، وما زلنا.
هذا يعني أنني لا أتجزأ؛ بل أنا (إشراقة) واحدة، شكّلتها قناعاتها، ومبادئها، واجتراحات وعيها المستمرة. ويقودنا ذلك إلى سؤال الامتيازات، وإلى ما طرحته فرجينيا وولف حول (غرفة تخص المرء وحده)، وشيءٍ من المال للتفرغ للكتابة، وضرورة قراءة هذا الطرح في سياق الاستعمار وما بعده، وهو موضوع أراه بحاجة إلى حوارٍ منفصل.
لكن باختصار أقول: فـ(الغرفة) لا تُختزل في حيّزٍ مادي أو شرطٍ اقتصادي مسبق، بل تُفهم بوصفها فضاءً سياسيًا ومعرفيًا يُنتج عبر المـ قـ.ـاومة اليومية. هي مساحة تُنتزع من شروط الإقصاء ومحو الذاكرة، ويُعاد فيها تعريف الذات، واللغة، والمعنى. فالكتابة هنا لا تولد من الامتياز، وإنما من الاحتكاك المباشر مع التهميش، ومن تحويل التجربة المعاشة إلى معرفة مضادّة.
إنها كتابة قد تنشأ خارج الأطر المألوفة، وضد السائد، وضد النحو ذاته، حين تصبح اللغة الرسمية عاجزة عن حمل الوجع أو تمثيل الذاكرة؛ فيُعاد تشكيلها، وكسرها، وتفجيرها من الداخل، لتقول ما لم يكن مسموحًا له أن يُقال. وقد أشرتُ إلى هذه الرؤية التي فكّكتها بيل هوكس بوعيٍ عميق، والتي تتقاطع بطبيعة الحال مع رؤيتي، بحكم انتمائي إلى حركة النساء السود، بل والمساهمة في وضع نواتها في النمسا مع ناشطة كاميرونية جمعنا هذا الفضاء.
لذا، وباختصار، أقول إن: Literature is Activism (بفرحٍ سألتني الطالبة إن كان بالإمكان التقاط صورةٍ معي، واجترحتُ معها حوارًا صغيرًا حول التصوير بوصفه وثيقةً تاريخيةً للمستقبل. ثم ابتسمتُ لأمرٍ يخصّني حين قالت: كم أنتِ مُلهمة.)
#ملف_الهدف_الثقافي #أدب_المقاومة #إشراقة_مصطفى #ثقافة_الالتزام #المرأة_السوداء

Leave a Reply