م. عبدالمنعم مختار
#الهدف_ آراء حرة
في كل مرة تعود فيها ذكرى ثورة ديسمبر، ينهض الثالث من يونيو كظلٍ ثقيل يرفض أن يُدفن في طقوس الاحتفال. فهذه الثورة، التي خرجت تطلب الحرية والسلام والعدالة، كُتبت إحدى أكثر صفحاتها دموية أمام بوابة القيادة العامة، حين قرر حماة السلاح أن يجعلوا من ذكرى الثورة ج.ريمة مفتوحة، ومن الفجر موعدًا لق.تل الحلم.
في صباح الثالث من يونيو 2019، لم يُفضّ اعتصام، بل فُضّ الوهم الأخير بأن المؤسسة العسكرية يمكن أن تكون محايدة في صراع الحرية. في المكان الذي احتمى به الثوار، جرت المجزرة على مرأى من القيادة، وبعلمها، وتحت صمتها المتواطئ. أُغلقت الأبواب، وأُطلقت الوحوش، وتحوّل السور الذي كان شاهدًا على الهتاف إلى شاهد على الدم.
لم تكن الج.ريمة فعل قوة منفلتة، بل نتيجة قرار سياسي–عسكري شارك فيه الجيش وقوات الدعم السريع، وتظلل بغطاء مليشيات النظام القديم. شراكة كاملة في التخطيط والتنفيذ والتستر. أما أعداد الضحايا، فقد صارت جزءًا من معركة الحقيقة: أرقام رسمية تقلل، وشهادات ميدانية تفضح، ومفقودون ما زالوا خارج الحساب. لكن الثابت أن ما جرى يرقى إلى ج.ريمة ضد الإنسانية، لا تُمحى بإحصاء ولا تُخفف ببيان.
ثم جاءت لجنة نبيل أديب، لا كجسرٍ نحو العدالة، بل كحاجز زمني طويل أُنهكت عنده الذاكرة العامة. سنوات من التحقيق بلا نتيجة، وملفات بلا أسماء، وعدالة مؤجلة حتى التآكل. لم تكن المشكلة في تعقيد الج.ريمة، بل في غياب الإرادة السياسية، وفي قبول اللجنة أن تكون شاهدًا صامتًا على ضياع الحق، لا أداة لانتزاعه. فالتأخير هنا لم يكن حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في طمس الج.ريمة.
وحين اندلعت ح.رب 15 أبريل، سقط القناع نهائيًا. الأطراف التي التقت عند فض الاعتصام افترقت عند اقتسام السلطة، فجرّت البلاد إلى ح.رب كشفت أن الثالث من يونيو لم يكن نهاية فصل، بل بداية سلسلة. منذ ذلك الفجر، كانت الح.رب مؤجلة فقط.
إن ذكرى ج.ريمة فض الاعتصام — ج.ريمة العصر — ليست للبكاء، بل للاتهام. ليست للعزاء، بل للمحاسبة. وثورة ديسمبر، التي حاولوا قت.لها بالرصاص، ما زالت تحاكم جلاديها بالصبر والعناد. لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا حقيقة، ولا حقيقة تُنتزع باللجان المُفرغة. المجد للشهداء، واللعنة على من ظن أن الزمن حليف الق.تلة. الثورة باقية، لأن الدم لا ينسى، ولأن الشعوب حين تُخذل، تتعلم كيف تنتصر.

Leave a Reply