إعداد: محرر الملف
لم يكن طريق السودان نحو منصة الاستقلال معبداً بالوعود السياسية أو الخطب الرنانة فحسب، بل كان طريقاً ممهداً بتضحيات نساءٍ جسورات واجهن المستعمر بالكلمة، والموقف، والسـ.لاح، خلف كل جلاءٍ للأجنبي عن أرضنا، كانت هناك امرأة سودانية تدفع الثمن من دمهما ووعيها، لترسم ملامح سيادةٍ لم تكن لتتحقق لولا تلك الروح الثائرة التي سكنت أجساد الكنداكات.
بدأت حكاية النضال النسوي السوداني منذ فجر المقـ.اومة المسلحة ضد الغزو التركي المصري، حين برزت مهيرة بت عبود (1780 – 1840) كأول صرخة في وجه التبعية، فوفقاً لما وثقه نعوم شقير في “تاريخ السودان”، لم تكن مهيرة مجرد شاعرة لقبيلة الشايقية، بل كانت المستشار الحربي والروح المحركة للفرسان في معركة “كورتي” عام 1820، حين زجرت المترددين بكلماتها الحماسية التي أصبحت الوثيقة الأولى لرفض الاستعمار في تاريخنا الحديث.
ومع اشتعال الثورة المهدية، انتقل النضال إلى مرحلة الفدائية الميدانية، حيث خلدت الروايات التاريخية ومذكرات يوسف ميخائيل جسارة رابحة الكنانية، تلك المرأة التي قطعت الفيافي سيراً على الأقدام ليومين كاملين دون زاد، لتحذر جيش المهدي من زحف جيش “راشد بك”، منقذةً الثورة من مباغتة كادت تنهيها، وفي ذات السياق، كانت الكنانية ونساء الريف ركائز أساسية في معارك شيكان والخرطوم، يتقدمن الصفوف لتزويد المقـ.اتلين بالماء والذخيرة، ويداوين الجرحى تحت وابل الرصاص، مؤكدات أن المقـ.اومة النسوية كانت حساً فطرياً متجذراً في عمق البادية والقرى السودانية.
ومع مطلع القرن العشرين وتحت وطأة الحكم الثنائي، تحول النضال نحو “القلم والوعي”، حيث آمنت الرائدات أن استقلال الأرض يبدأ حتماً من استقلال عقل الفتاة السودانية، وبحسب ما ورد في ( كتاب “حياتي” – بابكر بدري / تاريخ التعليم في السودان) تصدت ستنا بابكر بدري ورفيقاتها لمهمة كسر طوق العزلة الفكرية عبر التعليم، وساهمت في تأسيس أولى الروابط الثقافية التي ساندت الحركة الوطنية ومؤتمر الخريجين. ثم جاءت نفيسة المليك (1932 – 2023) لتجعل من المدارس محاضن للعمل الوطني السري، وبحسب (أرشيف الاتحاد النسائي السوداني / “نساء سودانيات) أسست المليك فصولاً لتعليم النساء “أبجديات الحرية” بالتوازي مع مناهج القراءة، مشكلةً بذلك حائط صدٍ معرفي ضد محاولات المستعمر طمس الهوية الوطنية.
وفي الأربعينيات والخمسينيات، اشتعل الميدان السياسي بحضورٍ نسويٍ طاغٍ ومنظم، قادته الخليلية “خالدة زاهر” (1927 – 2015)، أول طبيبة نالت عضوية نادي الخريجين، والتي يذكر أرشيف الحركة الوطنية أنها قادت أول مظاهرة نسائية كبرى عام 1946، تحدت فيها البوليس الإنجليزي وتعرضت للاعتـ.قال والضرب والسجن بكل صمود، بينما كانت رفيقتها فاطمة أحمد إبراهيم (1932 – 2017) تؤسس لنهجٍ مطلبيٍ فريد، يربط بين الجلاء عن الوطن وبين انتزاع الحقوق السياسية والاجتماعية للمرأة، مواجهةً القوانين البريطانية التي كانت تمنع النساء من الانخراط في الشأن العام.
ولم ينفصل الفن عن المقـ.اومة، فقد كانت حواء الطقطاقة (1926 – 2012) “منشوراً وطنياً” يمشي، سُجنت في شالا والأبيض وأم درمان لأن غناءها كان يحرض الشباب على الثورة والجلاء، وهي التي ارتدت ثوباً بألوان علم الاستقلال الأول تحدياً لسطوة الإدارة الاستعمارية، وعندما أزفت ساعة الصفر في الأول من يناير 1956، كانت هي أول من صدح بالأغاني الوطنية، أمام القصر الجمهوري، لتعلن بملء فيها أن عهد التبعية قد ولى بغير رجعة.
إن هذه السير العطرة، الموثقة في بطون الكتب وفي ذاكرة الشعب السوداني، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاستقلال لم يكن “منحةً” أو “اتفاقاً” فوقياً، بل كان ثمرة نضالٍ طويل كانت فيه المرأة شريكة في التخطيط، والميدان، وصناعة القرار، والاحتفاء بهؤلاء الرموز اليوم، في ذكرى الاستقلال السبعين، هو استعادة لروح الصمود، وتذكير بأن حراسة راية الوطن هي أمانة حملتها الكنداكات جيلاً بعد جيل، وأن نضال المرأة السودانية هو النهر الذي يغذي وجدان هذا الوطن في كل حـ.ربٍ وأزمة، ومع ذلك يظل البرهان وإسلامييه ومؤسسته وحم.يدتي وشيعته وأسرته أنهم سيحكمون بلادًا لا تنتظر فيها النساء إذنًا ليثورن.
#ملف_المرأة_والمجتمع #رائدات_سودانيات #تاريخ_السودان #الاستقلال #كنداكات

Leave a Reply