(في ساحات الاعتصام حيث رُسمت لوحة ديسمبر، لم تكن المطالبة مجرد (تغيير نظام)، بل كانت صياغة لسؤال وجودي: كيف نبني دولة تكون فضاءً للجميع؟)
أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
مقدمة: تمر سبع سنوات على انتفاضة ديسمبر الثورية 2018، تلك الانتفاضة التي لم تكن مجرد احتجاج على أزمة معيشية، بل كانت بحثاً عميقاً عن صيغة جديدة للعيش المشترك. لقد حملت اللافتات بذور رؤية سياسية متكاملة: (حرية، سلام، عدالة). اليوم، وبينما يستمر نزيف الح.رب العبثية، يبرز سؤال الديمقراطية التعددية ليس كخيار سياسي بين خيارات، بل كـ شرط بقاء للسودان كدولة موحدة. وهو سؤال تؤكده الرؤى السياسية لقوى الانتفاضة، كما يوضح بيان) حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) – قيادة قطر السودان) الصادر في الذكرى السابعة (19 ديسمبر 2025)، الذي يرى في الديمقراطية التعددية ضرورة سودانية للحفاظ على وحدة السودان.
أولاً: الديمقراطية التعددية كضرورة وجودية لا ترف فكري:
1. من شعار الانتفاضة الثورية إلى مشروع الدولة: كانت (الديمقراطية التعدديّة) أحد المبادئ الأساسية، التي تمسكت بها قوى الانتفاضة. لم يكن هذا تمسكاً بشعار، بل إدراكاً تاريخياً بأن السودان، بتنوعه الإثني والثقافي والجغرافي الهائل، لا يمكن أن يُحكم بنموذج (الحقيقة الواحدة) التي فرضتها الأنظمة الشمولية المتعاقبة.
والدرس من التجربة، في أن نظام الإنقاذ الإسلاموي (1989-2019) مثّل نقيض التعددية. فقد حوّل الدولة إلى أداة لفرض رؤية أيديولوجية واحدة، وساوى بين المعارضة والخيانة. النتيجة كانت تفكيكاً منهجياً لمؤسسات الدولة، وتهميشاً منظّماً لأقاليم بأكملها، وزرعاً لخطاب الكراه.ية الذي مهد لح.روب التمرد ثم للح.رب العبثية الحالية.
2. التعددية كضامن للوحدة الوطنية: يؤكد بيان حزب البعث أن الديمقراطية التعددية (ليست مجرد النظام السياسي الأمثل فحسب؛ وإنما ضرورة سودانية للحفاظ على وحدة السودان شعبًا وأرضًا). هذه ليست مجرد كلمات، بل هي خلاصة دروس دامية:
أ. جنوب السودان: انفصل لأنه لم يجد مكاناً له في دولة الخرطوم المركزية الأحادية.
ب. دارفور وكردفان والنيل الأزرق: تشتعل فيها الصراعات لأن الدولة تعاملت مع مطالبها بالحقوق والتنمية كـ (تهديدات أمنية (.
التعددية هنا تصبح جسراً، فهي تسمح لابن دارفور أن يكون دارفورياً وفياً لهويته، وسودانياً مخلصاً لوطنه، دون أن يُجبر على اختيار بين الانتماءين.
ثانياً: تشريح التعددية الحقيقية في مواجهة الأشباح
1. تعددية الاعتراف لا تعددية المحاصصة: التعددية التي يحتاجها السودان ليست تلك التي شهدها في فترات سابقة: تحالفات هشة بين نخب تتفق على تقاسم الغنائم في الخرطوم وتتناسى الأطراف. هذه (تعددية شكلية) أعادت إنتاج الاستبداد بأوجه متعددة.
التعددية الحقيقية، كما يتصورها المشروع الديمقراطي الحالي، تقوم على:
أ. الاعتراف الدستوري بالتنوع الإثني والثقافي واللغوي.
ب. التمثيل العادل في مؤسسات الدولة، لا كمنّة من المركز بل كحق أصيل.
ت. العدالة الجغرافية في توزيع الثروة والسلطة، عبر نموذج فيدرالي حقيقي (وليس الشكل الفارغ الذي مارسه النظام الدكتاتوري الاسلاموي).
2. مقومات التعددية الحقيقية: (ما وراء صناديق الاقتراع): لا تكفي الانتخابات الحرة لضمان ديمقراطية تعددية ناجحة. التجربة الانتقالية (2019-2021) كشفت عن مكونات أساسية غائبة:
أ. مجلس تشريعي قوي: عرقل المكون العسكري تشكيله لأنه رأى فيه (خصماً) على نفوذه.
ب. قضاء مستقل: لفض النزاعات السياسية والدستورية دون تدخل السلاح.
ت. إعلام حر ومتنوع: لا يخضع لاحتكار الدولة أو لتحالفات رجال الأعمال المتحالفة مع العسكر.
ث. مجتمع مدني قوي: يتمتع بالحماية القانونية والقدرة على المراقبة والضغط.
الغائب الأكبر كان (الثقة) بين المكون المدني والعسكري، وبين القوى السياسية نفسها. بدونها، تتحول التعددية إلى حقل ألغام من الشكوك والمناورات.
غير أن الاعتراف بالحاجة إلى ديمقراطية تعددية لا يكتمل دون نقد صريح لتجربة القوى المدنية نفسها بعد ديسمبر. فقد أظهرت المرحلة الانتقالية أن كثيرًا من هذه القوى، رغم صدق نواياها، لم تكن مهيأة تنظيميًا ولا فكريًا لإدارة تنوع السودان. انزلقت بعض مكوناتها إلى صراعات داخلية، وأخرى أعادت إنتاج منطق الإقصاء باسم الانتفاضة الثورية، ما أضعف ثقة الشارع، وفتح الباب أمام العسكر لاستعادة المبادرة. إن التعددية لا تعني فقط قبول الآخر المختلف أيديولوجيًا أو إثنيًا، بل تعني أيضًا قبول التنافس داخل المعسكر المدني نفسه، وبناء آليات ديمقراطية شفافة لإدارة الخلاف، بدل ترحيله إلى الشارع أو استدعاء الحليف العسكري ضده.
إن هذا الفهم العميق للديمقراطية التعددية بوصفها ضرورة وجودية وضامنة للوحدة، لم ينبع من فراغ نظري، بل هو خلاصة لتجربة نضالية طويلة ومكثفة، عبر وصفها حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) – قيادة قطر السودان، انتفاضة )حية متجددة وعصية على التآمر والاجتثاث( و )قواها متحفزة للنضال وأولوية وقف الحرب( .هذا الربط العضوي بين النضال من أجل وقف الحرب وإسقاط الدكتاتورية من جهة، والتمسك بالديمقراطية التعددية كهدف استراتيجي من جهة أخرى، هو ما يجعل المشروع الديمقراطي مشروعاً ثورياً شاملاً، وليس مجرد عملية إصلاح سياسي سطحية. لقد أثبتت مسيرة الانتفاضة أن التعددية الحقيقية هي سلاح الجماهير في معركتها من أجل دولة المواطنة، وهي في الوقت نفسه الهدف الذي يتطلب نفساً طويلاً وحشداً متواصلاً للإرادة الشعبية على قاعدة الثوابت الوطنية
ثالثاً: التعددية في مواجهة التحديات: (الحرب، الإرث، والتدخل الخارجي):
1. الحرب كأداة لاغت.يال التعددية: الح.رب الدائرة منذ أبريل 2023 هي الضربة القاضية لأي أمل في بناء ديمقراطية تعددية في المدى القريب. لماذا؟
أ. تحولت السياسة إلى مواجهة عسكرية: بدل التنافس في البرامج، تحول الصراع إلى معارك على الأرض.
ب. استنزاف موارد الدولة: الموازنة تذهب للسلاح بدل التعليم والصحة والبنية التحتية.
ت. تكريس ثقافة العنف: يصبح منطق القوة هو اللغة السائدة، وتُدفن ثقافة الحوار والقبول بالآخر.
وقف الح.رب ليس غاية في ذاته، بل هو الخطوة الأولى الضرورية لإعادة فضاء السياسة، حيث يمكن أن تتنافس الأفكار من جديد دون تهديد السلاح.
2. الإرث الثقيل: يواجه بناء التعددية تحدياً من داخل النخب نفسها:
• نخب المركز التقليدية: اعتادت على احتكار القرار والثروة، وترى في التعددية الحقيقية (التي تعني تقاسم السلطة والموارد مع الأطراف) تهديداً لمصالحها التاريخية.
• نخب الأطراف: بعضها رآكم شرعيته من (خطاب المظلومية) دون تقديم بديل حكم رشيد. التعددية الحقيقية ستكشفها أمام ناخبيها، لأن المساءلة ستنتقل من (الخرطوم البعيدة) إلى (عاصمة الولاية القريبة (
3. التدخلات الإقليمية والدولية: كما يشير البيان، هناك قوى إقليمية ودولية تتناقض مصالحها مع سودان ديمقراطي موحد قوي. هذه القوى:
أ. تدعم أطرافاً في الصراع لتحقيق مكاسب جيوسياسية (قواعد عسكرية، موارد، نفوذ).
ب. تستغل الانقسامات الداخلية لتعميق التفتيت.
ت. العدو الص.هيوني، كما يذكر البيان، له مصلحة استراتيجية في إبقاء السودان ضعيفاً ومنقسماً.
في هذا السياق، تصبح الديمقراطية التعددية أيضاً درعاً للسيادة الوطنية: دولة مستقرة وديمقراطية تكون أصعب في الاختراق من دولة فاشلة أو دكتاتورية تابعة.
رابعاً: نحو عقد اجتماعي جديد: رؤية للمستقبل: المشروع الديمقراطي التعددي الذي تتبناه قوى الانتفاضة (ومنها حزب البعث) لا يقتصر على (تداول سلمي للسلطة)، إنه عقد اجتماعي جديد يقوم على أربع ركائز:
1. العدالة الانتقالية والمحاسبة: لا يمكن بناء مستقبل ديمقراطي على إفلات كامل من العقاب لج.رائم الماضي. المحاسبة شرط للمصالحة الحقيقية.
2. العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة: ديمقراطية بلا خبز تتحول إلى غضب. يجب ربط التعددية السياسية بإعادة توزيع عادلة للثروة بين المركز والأطراف. لا يمكن تصور ديمقراطية تعددية مستقرة في السودان دون بنية حكم فيدرالية حقيقية. فالتعددية السياسية التي لا تُترجم إلى توزيع فعلي للسلطة والموارد تبقى شكلية، وتعيد إنتاج هيمنة المركز بأدوات انتخابية. الفيدرالية هنا ليست مطلبًا إقليميًا، بل شرطًا بنيويًا لإنجاح التعددية نفسها.
3. بناء مؤسسات وطنية مهنية: جيش وطني واحد مهني (بدلاً من تعدد الجيوش والمليشيات)، وقضاء مستقل، وأجهزة رقابية فاعلة.
4. الهوية الجامعة التعددية: هوية سودانية تجمع ولا تفرق، تعترف بالتنوع وتحتضنه كمصدر قوة، لا كنقطة ضعف.
الخاتمة:( ديسمبر.. ذكرى حية ومستقبل ممكن): انتفاضة ديسمبر الثورية لم تمت. هي حية في الذاكرة والوعي الجمعي كإثبات على قدرة الشعب السوداني على التغيير السلمي. الديمقراطية التعددية هي الوعاء السياسي الذي يوجه طاقة هذه الذكرى إلى مشروع دولة. فالسودان أمام مفترق طرق تاريخي:
• الطريق الأول: الاستمرار في دوامة الح.رب والاستبداد، التي لا تُنتج سوى مزيد من التفكك والمعاناة، وقد تنتهي بتقسيم ما تبقى من الوطن.
• الطريق الثاني: بناء (جمهورية ديسمبر) على أساس عقد اجتماعي جديد، تكون فيه الديمقراطية التعددية هي القاعدة، والعدالة هي المبدأ، والوحدة في التنوع هي الهوية.
الطريق الثاني شاق ومحفوف بالمخاطر، لكنه الطريق الوحيد من دولة الموت إلى جمهورية الحياة. وهو طريق يبدأ بخطوة واحدة حاسمة: وقف الح.رب، ليفسح المجال من جديد لصوت الشعب، وللتنافس السلمي على خدمته، ولحلم ديسمبر بأن يكون السودان وطناً لكل أبنائه وبناته.
لا لاستمرار الحـ.ـرب والخزي والعار لأطرافها وداعميها والمستفيدين منها
حرية سلامة وعدالة، ديمقراطية تعددية خيار الشعب
معاً نحو: الجبهة الشعبية العريضة للديمقراطية والتغيير

Leave a Reply