قلم : ماجد الغوث .
بتاريخ 19 ديسمبر 2025 ، أصدر ، حزب البعث العربي الاشتراكي” الأصل” بياناً بمناسبة الذكرى السابعة ” لأم الانتفاضات” ديسمبر الأغر 2018 ‘ الشعبية السودانية ذات الطابع الثوري.
من مرئيات البيان، نتناول اتفاقية ” البرهان – حمدوك ” في 21 نوفمبر 2021 . وهو اتفاق جاء مردوفاً مع محمولات انقلاب ” البرهان – حميدتي ” في 25 أكتوبر 2021 .وقد كان الاتفاق الثنائي بعد شهر من الانقلاب الذي قاد إلى ح.رب 15 أبريل 2023 بين الشركاء . وهو ما يطلق عليه ” بالاتفاق الإطاري ” بين ” البرهان وحميدتي ” من جهة ” وحمدوك وشُلتهُ ” من الجهة الأخرى.
غير أن الاتفاق الذي وُقعّ في 21 نوفمبر من العام 2021 ، لم يلبث أن وأجهّ مصير سابقيه من الإتفاقيات السودانية التي وئِدتْ قبل أن تُرى ثمارها . إذ سُرعان ما تآكل في ” كرش الانقلاب العسكري ” المدعوم من ”الحركة المتأسلمة وجماعة الموز ”
ليس العِبرة في الحِزم : انقسم الإطاري إلي أربعة حِزم رئيسية هي:
أ- المبادئ العامة.
ب- مهام الفترة الانتقالية.
ج- هياكل السُلطة.
د- القضايا الأمنية والعسكرية.
كما جاء في مأثور القول العامي ،، ليس كلُّ ما يبرقُ ذهبًا : فمثلًا : المبادئ العامة ” ضمن ما متفق عليه علميًا ” تعملُ كإطار مرجعي لضمان سلوك الموقعّين بشكلِ أخلاقي ومسؤول سياسيًا وقانونيًا . ولايمكن أن يأتي الالتزام العام خارج السلوك والأخلاق بالنسبة ِ للمُلتزم . خاصةً وأن كُلّ المؤشرات في ” الفترة الأولى من حُكم حمدوك ” لم يكن مبنيًا علي الالتزام بالقوانين واللوائح وشعارات ديسمبر، التي ارتضوا بالتوقيع عليها، لأنها صعبة المِراس . لأن الالتزام السياسي العام، الذي يأتي من قاعدة الثورة يتطلب أشخاص بمواصفات الفعل الثوري. ولأن الالتزام الثوري عادةً ما يكون، ناتجًا، عن سلوك وأخلاق وقيم الثورة – نفسها – وليس ترضيةً لشُلليات. ولكن، لأن غالبيتهم، جاءوا من خارج ” ضهر ديسمبر ” كانوا ثوارًا بالتبني.
أسمعتْ إذ ناديتْ ثوريًا، ولكن لا حياة لمن تُنادي : لم يغب ُّ عن بالنا، أن التنّظير، لا مشكلة في وضعه، لأنه يُركّز على الأفكار والمفاهيّم والمبادئ، التي تُشكّلُ الأساس للفهم والتحليل، ويعتمدُ على البحثِّ والدِراسة، ويهتمُ بالتفاصيل الدقيقة والتحليل العميق للمفاهيم والأفكار ، كما، يُركز علي النماذج العامة – ودي فيها شُطار – .
ولكن العِبرة عند – البعث – في التطبيق العملي، الذي يعتمدُ على الخبرة والمهارة والاهتمام بالنتائج الفعليّة، والتركيز على الحلول العملية، والكفاءة في حلٌ المُشكلات. وقد تمّ تنبيههم إلى ذلك من خلال المسيِرات والوقفات التنبيهية والندوات والكتابات -قبُل ما الفأس يقع في الرأس – .
التمييز بين النظري والعملي في العمل الثوري، ليس كما الأكاديمي :
النظري، يهدف إلى فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية والاختلالات السياسية، ويقوم على البحث والدراسة، وينتُج عن ذلك أفكار ومعلومات. بينما العملي يهدفُ إلى الحل التطبيقي، اعتمادًا على الخبرة والمهارات لحل مشكلات المجتمع.
موقف حزب البعث العربي الاشتراكي ” الأصل ” : من رفض التسوية إلى الوفاء لجوهر ديسمبر :
لم يكن موقف حزب البعث من الاتفاق الإطاري مجرد خلاف سياسي. بل، كان موقفًا مبدئيًا نابعًا من وعي عميق بطبيعة الصراع ومآلاته. فالبعث الذي نذّر تاريخه من أجل مشروع النهضة القومية والعدالة الاجتماعية، أدرك منذ البداية أن الاتفاق، لم يكن سوى بناءً على رمالٍ متحركة،ٍ . تسوية مستعجلة بين أطراف تبحثُ عن توازنات سلطة، لا عن استعادة الثورة.
على مدي سبعة أشهر من العمل الدؤوب، سعى حزب البعث بصدقٍ ومسؤولية لإعادة – قوى الحرية والتغيير – إلى منصتها الأصل، إلى قاعدة العمل المُشترك . تلك الوثيقة التي مثّلت جوهر الثورة ووعيها الجمعي. لكن، قوى الحرية والتغيير اختارت أن تغادر هذا الميثاق وتتجه نحو الاتفاق الإطاري، الذي، رأى فيه البعث، نحرافًا أخلاقيًا وسياسيًا ومبدئيًا عن المسار الثوري، وتحويلًا للثورة إلى تفاهمات فوقية تكٌرس الواقع بدلًا من تغيره .
محاولة إرخاء شعرة ” معاوية ” : رغم أن البعث ظلٌ متمسكًا بخيط التواصل الوطني، حريصًا على إبقاء” شعرة معاوية ” مع بقية القوى السياسية ‘ إلا أنه رفض أن يكون شاهد زور على ما اعتبره محاولة لتزييف إرادة الثورة، ورفض أن يكون مشاركًا فى ذبح ديسمبر .
فالاتفاق الإطاري كما كشف البعث لم يكن مشروعًا للتحول المدني الحقيقي، بل، إعادة إنتاج للسلطة العسكرية بواجهة مدنية.بعد أن حُذفت البنود الجوهرية التي تنصُّ على تفكيك منظومة الانقلاب، وتعديل أخرى لتناسب مصالح الانقلابيين.
ومن خلف الكواليس، كانت المناورات تدور لتثبيت مُعادلة تُبقي العسكر في المشهد. بدأت هذه التفاهمات عقب فشل اجتماع ” روتانا” لتندفع ” الأطراف مع كبيرهم” نحو تسويةٍ جديدةٍ تُرضي الجميع إلا الثوار وثورتهم . إذ انفردت ” لجنة الاتصال” بالقرارات واللقاءات، حتى فوجئ الحزب بما سُمّي ” تفاهمات مع العسكر” بلا ميثاق سياسي واضح، ولا التزام بمطالب الشارع.
التذكير، فإن الذكرى تنفع : إن رفض حزب البعث العربي الاشتراكي ” الأصل ” التوقيع على ” الوثيقة الإطارية” لم يكن تعنتًا ولا عُزلة سياسية، بل، وفاءً للثورة وأخلاقياتها وشهداءها، وإيمانًا بأن التغيير لا يُنجز عبر الموائد المُغلقة، بل عبر إرادة شعبية وأعية .فالميثاق، الذي تمسك به البعث كان برنامجًا ممرحلًا يواكب التطورات الاجتماعية والسياسية، لا يقفز فوقها، ويؤسس لبناء دولة مدنية حقيقية.
بهذا المعنى كان البعث أكثر اتساقًا مع ذاته، ومع مبادئه. لم يتهافت على السُلطة، ولم يُغره بريق المُشاركة الشّكلية، بل دعا – وما زال يدعو – إلى قيام جبهة شعبية عريضة – لإسقاط انقلاب 25 أكتوبر 2021 وإيقاف الح.رب، ومحاسبة من تهاون أو تسبب فيهما، واستعادة روح ديسمبر، وإعادة الثورة إلى مسارها التاريخي كفعل وطني تحرري جامع، لا كصفقة سياسية عابرة.
وها قد بدأت نُذر السُّحُب تتجمع.

Leave a Reply