ذكرى ثورة ديسمبر من وهج الشارع إلى إعلان المبادئ معركة استعادة الدولة ووحدة الصف المدني

صحيفة الهدف

أمجد السيد

تحلّ ذكرى ثورة ديسمبر المجيدة، والسودان يعيش واحدة من أكثر لحظاته التاريخية قتامةً وتعقيدًا حربٌ مدمّرة، وانقسامٌ اجتماعي خطير، وتراجعٌ غير مسبوق لفكرة الدولة ذاتها. غير أنّ استدعاء ديسمبر في هذا التوقيت ليس فعلًا احتفاليًا  بل ضرورة سياسية وأخلاقية، لأن هذه الثورة لم تكن حدثًا عابرًا، بل مشروعًا وطنيًا متكاملًا لإعادة بناء الدولة على أسس الحرية والسلام والعدالة.

لقد جاءت ثورة ديسمبر تعبيرًا عن وعي جمعي ناضج، أدرك أن أزمة السودان ليست في الحكّام فقط، بل في بنية الحكم نفسها، وفي احتكار السلطة بالقوة، وتهميش الإرادة الشعبية، واستخدام العنف وسيلةً لإدارة التنوع. ومن هذا المعنى العميق، تكتسب ذكرى ديسمبر اليوم دلالتها الجديدة، باعتبارها البوصلة الأخلاقية والسياسية في مواجهة الح.رب ومشاريع تفكيك الوطن.

في هذا الإطار، لا يمكن فصل ذكرى الثورة عن إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد. فالإعلان ليس وثيقة تقنية أو تفاهم سياسي عابر، بل امتداد موضوعي لروح ديسمبر، ومحاولة واعية لنقل شعارات الثورة من فضاء الاحتجاج إلى ميدان التأسيس الوطني.

كما رفعت ديسمبر شعار الدولة المدنية الديمقراطية، يؤكد الإعلان القطيعة مع الحكم العسكري وتعدد الجيوش.

وكما نادت الثورة بالعدالة للشهداء، يضع الإعلان المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب شرطًا لأي مصالحة حقيقية.

وكما وحّدت ديسمبر السودانيين على اختلافهم، يقرّ الإعلان بالتنوع بوصفه مصدر قوة لا تهديدًا للوحدة.

بهذا المعنى، فإن الإعلان السياسي لا يستمد شرعيته من التوقيعات وحدها، بل من انتمائه الصريح لمشروع ديسمبر، ومن محاولته إعادة تعريف الصراع الدائر اليوم كصراع بين مشروع دولة مدنية ومشروع ح.رب وفوضى وثورة مضادة.

تُثبت تجربة السنوات الماضية، وبشكلٍ أكثر قسوة بعد اندلاع الح.رب، أن تشتّت القوى المدنية والسياسية كان واحدًا من أهم أسباب إضعاف الثورة وفتح الطريق أمام الانقلاب ثم الاق.تتال. واليوم، لم يعد ترف الخلاف أو الحسابات الضيقة خيارًا مقبولًا، لأن كلفة الانقسام تُدفع من دماء المدنيين، ومن تمزق النسيج الاجتماعي، ومن ضياع المستقبل.

إن وحدة القوى المدنية ليست مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة سياسية استراتيجية. فحين تتوحد هذه القوى حول إعلان مبادئ واضح، وموقف صريح ضد الح.رب، فإنها تكون قادرة على

تغيير الرأي العام السوداني، عبر تقديم خطاب عقلاني أخلاقي يكشف عبث الح.رب ويعري المستفيدين منها.

توحيد المجتمع ضد الح.رب، لا على أساس جهوي أو أيديولوجي، بل على أساس مصلحة وطنية جامعة.

إعادة ترميم النسيج الاجتماعي، الذي تمزقه لغة التحريض والتخوين، عبر خطاب يعلي قيم المواطنة والعيش المشترك.

مواجهة خطاب الكراه.ية، بوصفه سلاحًا من أسلحة الح.رب، لا رأيًا حرًا أو اختلافًا مشروعًا.

فالح.رب لا تعيش بالسلاح وحده، بل تتغذى على الانقسام، وعلى شيطنة الآخر، وعلى تفكيك المجتمع إلى معسكرات خوف وكراه.ية. ووحدة القوى المدنية هي الضدّ الطبيعي لهذا المسار التدميري.

يصبح السؤال الجوهري كيف نكون أوفياء لدماء الشهداء؟

والإجابة ليست في استدعاء الشعارات، ولا في البكاء على الأطلال، بل في حماية جوهر ما استشهدوا من أجله وطنٌ حر، وشعبٌ كريم، ودولةٌ لا تُدار بالرصاص.

إن تحويل إعلان المبادئ إلى أداة نضال سياسي موحد، والانفتاح على كل القوى الرافضة للح.رب، وبناء جبهة مدنية عريضة بلا إقصاء ولا وصاية، هو الشكل الأكثر صدقًا للوفاء لثورة ديسمبر.

لقد أثبتت هذه الثورة، حين توحد الشارع، أن السودانيين قادرون على إسقاط أعتى الأنظمة. واليوم، إذا توحدت القوى المدنية والسياسية حول مشروع وطني واضح، فإنها قادرة  مرة أخرى على كسر هيمنة خطاب الح.رب، واستعادة الأمل، وفتح الطريق نحو وطن جديد، يليق بعظمة ديسمبر، وبدماء شهدائها، التي لن تذهب هدرًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.