ذكرى 19 ديسمبر 2019: إيجابيات مرحلة الانتقال وسلبياتها

صحيفة الهدف

صلاح الدين أبوالقاسم

في التاسع عشر من ديسمبر 2019، استعاد السودانيون لحظة مفصلية في تاريخهم الحديث، حين تحولت الاحتجاجات الشعبية إلى مسار ثوري أطاح بنظام استبدادي طويل، وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية حملت آمالًا عريضة، كما كشفت في الوقت ذاته عن تحديات بنيوية عميقة. وبعد سنوات من التجربة، بات من الضروري قراءة تلك المرحلة بميزان مهني، يضع الإيجابيات والسلبيات في سياقها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

أولًا: إيجابيات مرحلة الانتقال

1. كسر بنية الاستبداد وإعادة فتح المجال العام

أهم منجزات المرحلة الانتقالية تمثلت في إسقاط رأس النظام وتفكيك جزء معتبر من أدوات القمع، وعودة هامش الحريات العامة. شهدت البلاد نشاطًا سياسيًا وإعلاميًا غير مسبوق، وعودة النقاش العام حول قضايا الحكم، العدالة، والسلام.

2. الاعتراف الدولي وعودة السودان إلى المشهد العالمي

نجحت الحكومة الانتقالية في إعادة السودان إلى المجتمع الدولي بعد عزلة طويلة، ما انعكس في رفع اسمه من قوائم العقوبات، وفتح قنوات التعاون مع المؤسسات المالية والدول المانحة، الأمر الذي شكّل فرصة لإعادة بناء الاقتصاد.

3. إرساء خطاب مدني جديد

طرحت المرحلة مفاهيم الدولة المدنية، وسيادة حكم القانون، والعدالة الانتقالية، وأعادت الاعتبار لدور الشارع والقوى المدنية في الرقابة والمساءلة، وهو تحول نوعي في الوعي السياسي العام.

4. السلام كأولوية وطنية

وضعت المرحلة الانتقالية قضية السلام في صدارة الأجندة، وسعت إلى معالجة جذور النزاعات عبر اتفاقات سياسية، رغم ما شاب تنفيذها من تعثرات.

ثانيًا: سلبيات مرحلة الانتقال

1. هشاشة الشراكة بين المدنيين والعسكريين

اعتمدت المرحلة على شراكة غير متوازنة، أبقت مراكز القوة الحقيقية خارج السيطرة المدنية الكاملة. هذه الهشاشة أضعفت القرار السياسي، وفتحت الباب أمام التدخلات والانقلابات اللاحقة.

2. الأزمة الاقتصادية وتآكل الثقة الشعبية

ورثت الحكومة الانتقالية اقتصادًا منهارًا، لكن السياسات الإصلاحية القاسية، وغياب شبكة حماية اجتماعية فعّالة، حمّلت المواطن كلفة مضاعفة، ما أدى إلى تراجع التأييد الشعبي وتنامي الإحباط.

3. بطء العدالة الانتقالية

تعثر ملف العدالة، خاصة في القضايا الكبرى المرتبطة بالق.تل والفساد، أضعف ثقة الشارع في مؤسسات الانتقال، ورسّخ شعورًا بأن الثورة لم تنصف ضحاياها.

4. تفكك الصف المدني وتآكل الجبهة السياسية للثورة

عانت القوى المدنية الداعمة للثورة من انقسامات حادة وصراعات داخلية أضعفت قدرتها على الفعل الموحد. وقد تفاقم هذا التفكك بفعل استهداف ممنهج لوحدتها عبر اختراقات نفذها العسكريون وفلول النظام السابق داخل المشهد السياسي والشارع الثوري، إلى جانب استمالة بعض الشخصيات السياسية وإغراق الساحة في خلافات تكتيكية وشخصية. هذا الواقع أضعف البنية التنظيمية والمعنوية للقوى المدنية، وخلخل تماسكها، بما أتاح توسيع نفوذ كتلة العسكر والانقلابيين ومن يقفون خلفهم على حساب مشروع الانتقال المدني.

تمثل ذكرى 19 ديسمبر محطة للتقييم لا للاحتفال فقط. فقد كشفت مرحلة الانتقال أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة إسقاط بنيته العميقة، وأن بناء الدولة المدنية يتطلب وحدة سياسية، ورؤية اقتصادية عادلة، وإرادة حازمة لاستكمال مهام العدالة والسلام. وبين الإيجابيات، التي أعادت الأمل، والسلبيات، التي قادت إلى الانتكاس، تظل دروس تلك المرحلة رصيدًا لا غنى عنه لأي مسار قادم يستهدف استعادة الثورة وأهدافها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.