هموم : بين السطح والوعي: الإعلام في زمن (الناشطين)

صحيفة الهدف

مجدي علي

لم تعد أزمة الإعلام اليوم أزمة مهنية أو تقنية فحسب، بل تحوّلت إلى أزمة وعي عميقة، نتجت عن انتقال مركز التأثير الثقافي من المؤسسات الإعلامية والثقافية والمثقفين إلى ما يُعرف بـ(الناشطين) على منصات التواصل الاجتماعي. هذا التحول، الذي يبدو في ظاهره (ديمقراطية) في إنتاج المحتوى، يخفي في جوهره خللاً بنيويًا في الوعي الجمعي، حيث أُزيحت المعرفة لصالح الانتشار، واستُبدل العمق بالضجيج، والقيمة بعدّاد التفاعل. في السياق السوداني، تتخذ هذه الأزمة أبعادًا أكثر حدّة وخطورة. فالإعلام السوداني لم يدخل العصر الرقمي من موقع القوة أو الاستعداد، بل من واقع هش أصلًا، يعاني ضعف البنية، وغياب الاستقلال، وافتقار الرؤية. ومع اندلاع الح.رب وتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، انكشفت هذه الهشاشة على نحو فاضح، فتحوّل الفضاء الرقمي إلى الساحة الرئيسية لتشكيل الرأي العام، دون حارس مهني أو مرجعية أخلاقية أو ضوابط معرفية. المشكلة لا تكمن في وجود الناشطين بحد ذاته، بل في طبيعة المحتوى الذي يهيمن على المشهد. فقد باتت الجماهيرية تُصنع عبر مواد ركيكة وسطحية ومكررة، تُقدَّم في قالب ركيك أو فضائحي، بينما يتراجع حضور الخطاب القائم على المعرفة والتحليل والتفكير النقدي. هذا الانحدار لا تفسره جاذبية المنصات وحدها، بل تغذّيه عوامل متشابكة؛ من الفقر والقلق الجمعي، إلى الصدمات المتراكمة التي دفعت الناس، في ظل الح.رب، إلى البحث عن مهرب نفسي وصورة بديلة للواقع، ولو كانت زائفة. غير أن جزءًا غير قليل من المسؤولية يقع على عاتق النخب المثقفة نفسها، التي فشلت، في معظمها، في مواكبة أدوات العصر الرقمي، أو استثمارها بذكاء لتقديم محتوى جاد قادر على المنافسة. بعض هذه النخب انكفأ على لغته القديمة، وبعضها الآخر تعامل مع المنصات الجديدة باستعلاء أو خوف، فترك الساحة فارغة أمام خطاب سريع وسهل، لكنه فقير ومُضلِّل. الأخطر من ذلك أن وسائط الاتصال امتلأت، صباح مساء، بقصص تنتهك الخصوصية الإنسانية، وتخترق البيوت وغرف النوم، وتعبث بالأسر والأعراض، بحثًا عن (الترند) والتفاعل. لم تعد هناك حدود فاصلة بين العام والخاص، ولا احترام للأعراف والقيم، في ظل إعلام رقمي يقتات على الإثارة، ويساهم في طمس الهويات الثقافية المحلية لصالح ثقافة استهلاكية عالمية مسطّحة، بلا جذور أو سياق. المعركة اليوم ليست سهلة، خاصة في ظل سيادة ثقافة التفاهة هذي وهيمنتها على الخوارزميات وأذواق الجمهور، لكنها ليست معركة خاسرة. المطلوب ليس الحنين إلى الماضي، ولا الانسحاب من الفضاء الرقمي، بل إطلاق صحوة ثقافية واعية، تقوم على مشاريع إعلامية وثقافية رقمية مبتكرة، قادرة على مخاطبة الناس بلغتهم دون التخلي عن العمق والقيم. الصراع لم يعد تقليديًا، ولم يعد يُدار منصات الوعي أو في قاعات الندوات أو أعمدة الصحف فقط، بل عبر الأثير، في فضاء مفتوح يتصارع فيه السطحي والعميق، الزائف والحقيقي. والرهان في نهاية المطاف على الوعي: وعي الفرد في الاختيار، ووعي المثقف في الفعل، ووعي المجتمع في حماية إنسانيته من التآكل.

#ملف_الهدف_الثقافي #الإعلام #السودان #الوعي #التواصل_الاجتماعي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.