ليسَت ح.ربًا.. إنّها انتحارُ وطن

صحيفة الهدف

محمد بحر علي

شهادة مُرّة على وقائع ح.رب لا تُشبهنا.. في بلادٍ أنهكتها السنون، وتناوبت عليها السهام حتى أثخنتها، لا يزال السوداني يقف بين نارين: نار الواجب العسكري، ونار الدم الذي يجري في عروقه. في السودان اليوم، لم يعد الخط الفاصل بين العدو والقريب واضحًا؛ فقد تشابكت البنادق كما تشابكت الأرحام، واختلط التراب الذي يُدفن فيه الجندي الشهيد بتراب البيت الذي وُلد فيه. هذه حكايتان ليستا من الخيال، بل من ذاكرة وطن يتمزّق.. قصص وُلدت من رحم المعارك لتصرخ في وجه التاريخ، علّه يتوقّف لحظة ويصغي. القصة الأولى: الضابط حامد.. والابن حمّاد في بابنوسة، كان المقدم حامد يقاتل ضمن الفرقة 22. رجل عرف العسكرية منذ شبابه، يؤمن بالانضباط وبالحماية الوطن. لكن الوطن خانه، يوم فرّقت الح.رب بينه وبين أبنائه، ويوم لم يستشعر قادته مسؤولية سحب القوات بدل زجّهم في معركة افتقدت كل شروط النصر؛ فكل أهله وقبيلته هناك.. وابنه حمّاد لم يكن في صفه. كان مقاتلًا في صفوف الدعم السريع. لم يلتقيا منذ شهور. لم يتحدّثا. وكان كلٌّ منهما يحمل وجع السؤال: لماذا أنا هنا؟ ولماذا أنت هناك؟ ومن منّا يمثّل مصلحة الوطن؟ عندما اشتعلت معركة بابنوسة، كان كلٌّ منهما في موقعه: الأب داخل خطوط الجيش، والابن يتقدّم مع الدعم السريع. وفي نهاية اليوم.. سقط الموقع. وأُسر كثير من الجنود، بينهم الضابط حامد. أتى حمّاد إلى موقع الأسرى لتوثيق وجودهم ضمن القوائم. لم يكن يبحث عن أبيه.. كان يخشى أن يراه شهيدًا أو جريحًا، لكنه رآه. ويا لهول ما رأت عيناه.. رأى أباه منكّس الرأس، أسيرًا بين الأسرى، وبعض زملائه يستجوبونه. عندما التقت أعينهما، اختنقت اللحظة بكاملها. الأب على الأرض.. والابن واقف أمامه، ببزّته العسكرية، يحمل سلاحًا جعله القدر في صف العدو. لم يقل الأب شيئًا. ولم يقل الابن شيئًا. لكن وجهيهما كانا رواية كاملة من الألم. لم يستطع حمّاد الاقتراب أو احتضان أبيه؛ الانضباط العسكري منعه. ولم يستطع الأب مدّ يده نحو ابنه؛ العزّة العسكرية منعته. ظلّ كلٌّ منهما سجين وجعه، سجين الح.رب، سجين الخيارات التي لم يكن لأيٍّ منهما يد فيها. خرج حمّاد من الموقع وهو يشعر كأنه ضاع في فضاءات لا مخرج منها. كان يودّ لو يصرخ: هذه ليست ح.ربًا.. هذا ق.تلٌ لقلوبنا، ق.تل لنخوتنا، ق.تل لإنسانيتنا. القصة الثانية: التوأم صالح وصلاح.. لحظة العناق الأخير لا شيء أقسى في كتب الح.روب من رؤية توأمين يقف كلٌّ منهما في جيشٍ يقاتل الآخر. صالح وصلاح، توأم يعرفه كثير من أهل المجلد ودينقا أم الديار. كانا يشبهان بعضهما حتى في طريقة الضحك، وكان الناس يمزحون: “لو واحد اتوجّع.. التاني بحسّ بنفس الألم”. قبل الح.رب، التحق أحدهما بالجيش، والثاني بالدعم السريع. لم يتخيّلا أن ذلك سيضعهما في مواجهة. لكن الح.رب لا تسأل أحدًا عن قلبه، والقادة لا يلقون بالًا. في معركة بابنوسة، علم كلٌّ منهما أن أخاه في الجهة المقابلة. حمل كلٌّ منهما بندقيته، مستعدًا لأداء واجبه القتالي كما تقتضي الجندية، غير آبه باقتحام المخاطر أو ارتقاء سلّم الشهادة.. لكن كليهما كان يعلم أن توأمه ضمن قوات العدو. كان كلٌّ منهما يقول في قلبه: “يا رب.. ما أشوف فيه شر”. لكن القدر كان أقسى من كل الرجاء. في لحظة اشتباك.. تواجها وجهًا لوجه. جفّ القلبان. تجمّد الدم في العروق. انخفضت البنادق. توقف الزمن. رأى كلٌّ منهما نفسه. رمى صالح سلاحه، ورمى صلاح سلاحه. صاحا معًا: “التوم!” واندفعا يعانقان بعضهما، كأنهما طفلان يمرحان، لا مقاتلان في ساحة معركة، ويردّدان بفرحٍ موجوع: “والله فقدتك”. وفي اللحظة نفسها.. سقطت قذيفة. انتهى كل شيء. وجد الجنود التوأمين متعانقين.. جثتين، لكن بروح واحدة، بقلب واحد. هذه القصص ليست روايات للمتعة الأدبية. إنها مرآة لفظاعة الح.رب السودانية التي لم تُبقِ شيئًا إلا وجرحته: العائلة، الأبوة، الأخوّة، وحتى التوأم الخارجين من رحم واحد. هذه ح.رب ضد السودان نفسه، ضد النسب، ضد الدم، ضد الذاكرة، ضد إنسانيتنا جمعاء. إن وقف الح.رب لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة أخلاقية، إنسانية، ووجودية. وإن الفاعلين الدوليين، الذين يملكون القدرة على الضغط لوقف القتال، يتحمّلون مسؤولية تاريخية. فكل يوم يتأخر فيه العالم عن الفعل، تُكتب مأساة جديدة. إلى كل سوداني، إلى كل سودانية، إلى كل صاحب ضمير، إلى كل من بيده كلمة أو قرار: أوقفوا هذه الح.رب. لأجل حامد وحمّاد. لأجل صالح وصلاح. لأجل ما تبقّى من هذا الوطن.

#ملف_الهدف_الثقافي #لا_للح.رب #السودان #حكايات #أوقفوا_الح.رب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.