عبد القادر سالم.. حين بكى المردوم

صحيفة الهدف

قرشي الطيب

يأتي بعض الرحيل كأنه كسر في الإيقاع.. لا صمت كامل، بل نشاز موجع في قلب الأغنية. هكذا مضى عبد القادر سالم، فشعرنا أن المردوم، ذلك الإيقاع الذي كان يجري في عروقه كجري الخيل، قد توقف لحظة، ثم انحنى حزنًا. لم يكن عبد القادر سالم فنانًا عابرًا في الذاكرة، ولا اسمًا يُضاف إلى قائمة طويلة من الأصوات. كان وجدانًا كاملًا، وشاهدًا على زمنٍ كامل، زمن كانت فيه الأغنية ابنة المكان، وكان المكان أبًا صارمًا لا يمنح صوته إلا لمن يستحق. من كردفان جاء.. من ترابها الحار، ومن ليلها المشبع بالحكايات، من ظل التبلدي، ومن نقرات “النوبة”، ومن أناشيد الرُحّل التي تُسمع من بعيد، فتدخل القلب دون استئذان. هناك، في الدلنج وفي تخوم الأبيض، تكوّنت أذن الطفل، ثم روح الفنان، ثم عقل الباحث الذي لم يكتف بالغناء، بل سأل الإيقاع: من أين أتيت؟ وإلى أين تمضي؟ عبد القادر سالم لم يغنِّ المردوم.. هو صار المردوم. أخذه من ساحات القبائل، من أفراح البقارة، من وقع الأقدام على الأرض، ثم حمله ـ بعناد العارف ـ إلى المسارح، إلى الإذاعات، وإلى العالم. حين قالوا عنه “ملك المردوم”، لم يكن لقبًا احتفاليًا، بل توصيفًا دقيقًا لرجل جعل من إيقاع محلي لغةً كونية، يفهمها الفرنسي والإنجليزي كما يفهمها راعي في بوادي كردفان. من “اللوري حلّ بي” إلى “جدي الريل مالك” إلى “كل ما قلت نغني”، كان صوته يشبه السفر، وكانت أغنياته قطارات محمّلة بالحنين، تعبر السودان من غربه إلى قلبه. ومع الشعراء، كان عبد القادر سالم يعرف كيف يُنصت للكلمة قبل أن يلبسها اللحن. مع محمد حامد آدم في “تبلدية”، ومع هاشم صديق في “ودعتين”، ومع آخرين، كان يغامر، يدخل أكثر من لحن في الأغنية الواحدة، كأنه يقول إن الروح السودانية لا تُختصر في جملة واحدة. كان يؤمن أن الأغنية لا يجب أن تبقى وحيدة الصوت، وأن الموسيقى، مثل الإنسان، تبلغ نضجها حين تتحاور الأصوات داخلها. لذلك جرّب، بحث، وتعب، ولم يكن هذا ممكنًا لولا أنه موسيقي دارس، وفنان لا يخاف السؤال. سافر عبد القادر سالم كثيرًا، لكنّه لم يغادر مكانه الحقيقي. في باريس، وفي لندن، وفي تسجيلات حملت أسماء السودان إلى رفوف الموسيقى العالمية، ظل المردوم حاضرًا، وظلت كردفان تنبض في العود، وظل صوته يقول للعالم: هذا نحن.. وهذا إيقاعنا.. وهذه ذاكرتنا. ورغم كل هذا المجد، ظل متواضعًا، يعترف بنقصه قبل اكتماله، ويقول بصدق إن بعض الأغنيات “كبيرة” عليه، لا لأن صوته لا يقدر، بل لأن وجدانه مسكون بإيقاعٍ واحد أحبه حتى الذوبان. برحيله، لا نفقد فنانًا فقط، بل نفقد جسرًا كان يصل الريف بالعاصمة، والتراث بالحداثة، والسودان بالعالم. نفقد رجلًا جعل من الأغنية وثيقة هوية، ومن الإيقاع ذاكرة وطن. رحم الله الفنان د. عبد القادر سالم، رحمةً تليق بمن حمل السودان في صوته، وجعل من المردوم صلاةً تمشي على قدمين، ومن الغناء فعلَ بقاء.

#ملف_الهدف_الثقافي #قرشي_الطيب #عبدالقادر_سالم #السودان #المردوم

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.