تذوق فني

صحيفة الهدف

صلاح الدين سر الختم علي

عندما تصبح الريشة قيثارة، والعين كاميرا دقيقة، يبلغ العمل الفني أعلى قمم الإبداع والتفرد والجمال، ويصل بالتجربة إلى العالمية حقًا. حسين ميرغني نهر مواز لنهر النيل في قوته وسحره وجماله وعطائه وتدفقه. فهو رجل يحمل في داخله كونًا من الوسامة والشعور المرهف، والقدرة على التقاط إشارات الجمال وفك شفرتها وإعادة إنتاج المشهد الذي يبدو خفيًا وغير مرئي للآخرين، ليجعله ينبض بالحياة في ثانية، ويتنفس، ويسكن القلوب والأفئدة، ويحرك فيها مكامن اللوعة، ويثير التفاعل والتلذذ بالجمال وتدفق المشاعر. ها هو الفيل الذي اختفى من غابات الجنوب قبل أن يختفي الجنوب نفسه، غاباته وحيواناته التي كانت تزين النقود السودانية فيما مضى. لقد كنا نعرف وحيد القرن، وفرس النهر، والفيل، والأسد، والزرافة، والنعام، والخرتيت، والتماسيح، والأبنوس، والباباي، والثعالب، والحمار الوحشي. كانت الغابة حديقة صديقة، وكانت الصحراء تعانقها، لكن كل ذلك غاب عن المشهد. لم تعد لنا غابة ولا معالم ثقافية وطبيعية تميزنا كما كان حالنا. باتت حيوانات الغابة حلماً بعيد المنال. ولكن ريشة حسين ميرغني هي ذاكرة الأمة ومخزن الجمال، وهي دار وثائق لا تمسها الح.رب ولا الحرائق، لأنها باقية في وجدان وعقل رجل قلبه متعلق بالجمال والجذور. إنه قادر على استعادة كل ما طواه الزمان وأنظمة الحكم الفاسدة من حدائق السودان الباهية، ببصيرة نافذة وذاكرة إبداعية متوهجة. شكرًا حسين ميرغني، وأنت تقدم لنا وجبة شهية في كل صباح تعزز انتماءنا للوطن، وتستعيد لنا ملامحه النبيلة، وتقاوم التصحر الروحي والثقافي. حتى أستطيع القول: كاد الفيل من رقة شعورك، وأنت ترسم، أن تفيض دموعه على الورق. الله، ما أروع فنك، وما أروعك.

#ملف_الهدف_الثقافي #حسين_ميرغني #تشكيل #السودان #فن

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.