تحليل الآثار النفسية والاجتماعية لانتشار ظاهرة الاغت.صاب الممنهج في سياق حكم الإنقاذ والحرب الحالية في السودان

صحيفة الهدف

د. جمال الجاك

مقدمة: يحلّل هذا التقرير ظاهرة استخدام الاغت.صاب كأداةٍ ممنهجة للإذلال والاضطهاد في السودان، سواء في معتقلات عهد الإنقاذ أو خلال الصراعات والح.رب الحالية. ويعتمد التقرير على نظريات علم النفس الاجتماعي، والسياسة، ودراسات الصدمات، لتفسير هذه الظاهرة، وتحديد آثارها المدمّرة على مستوى الفرد (الضحية)، والأسرة، والمجتمع. ويخلص التقرير إلى أن الاغت.صاب في هذا السياق ليس جريمةً عرضية، بل سلاح سياسي يهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي والمعنويات العامة، وأن معالجته تتطلّب نهجًا شاملًا للعدالة الانتقالية ومكافحة الوصم الاجتماعي. المحور الأول: الإطار الإيديولوجي والسياسي للعنف الممنهج 1.1 الإيديولوجيا الداعمة لـ”وظيفة المغتصب” إن وجود ما يُعرف بـ”وظيفة المغتصب”، أو الاستخدام المنتظم للاغت.صاب داخل أماكن الاحتجاز، يشير إلى أن الفعل ليس مجرد تجاوز فردي، بل سياسة دولة ممنهجة. ويمكن تفسير هذا المنهج عبر النظريات الآتية: نظرية العنف الممنهج كسلاح سياسي (Stiglmayer, 1994): يُستخدم الاغت.صاب هنا ليس لإشباع دوافع فردية، بل لتحقيق أهداف استراتيجية. ويتمثّل الهدف الأساسي في الإذلال المطلق وكسر إرادة المعارضين، ذكورًا وإناثًا، عبر الاعتداء على كرامتهم وهويتهم. نزع الصفة الإنسانية (Bandura, 1999): يقوم النظام على تجريد الضحية من إنسانيته (Dehumanization)، بما يسهل على المنفذين ارتكاب الفظائع دون شعور بالذنب أو الندم، إذ يُنظر إلى الضحية بوصفها «هدفًا معاديًا» لا كإنسان. 1.2 العنف الهيكلي والشرعنة (Galtung, 1969) يؤدي إدراج الاغت.صاب ضمن “وظيفة” شبه رسمية إلى ترسيخ العنف الهيكلي (Structural Violence)، بما يضمن حماية الجاني من المساءلة، ويمنحه شرعية مؤسسية. ويسهم ذلك في استمرارية الجريمة، ويُعطّل أي آليات للضبط الأخلاقي داخل النظام. المحور الثاني: سيكولوجية الجلاد والموظف المغتصِب 2.1 سيكولوجية الانصياع والسلطة يمكن تفسير السمات النفسية للموظف القائم بهذا الدور من خلال نظريات الطاعة للسلطة: نظرية الطاعة للسلطة (Milgram, 1974): إن وجود راتب وحوافز مادية يضع الجاني في موقع “الوكيل” أو “المنفّذ”، ما يخفّف من شعوره بالمسؤولية الشخصية. وينقل الموظف العبء الأخلاقي إلى القيادة التي أصدرت الأوامر، معتبرًا الفعل “واجبًا وظيفيًا” لا جريمة فردية. التباعد الأخلاقي (Bandura, 2002): لتنفيذ هذه الأفعال بصورة روتينية، يلجأ الجاني إلى آليات التباعد الأخلاقي، مثل تبرير الفعل بـ”الضرورات الأمنية” أو “الولاء للنظام”، بما يسمح بتعطيل المعايير الأخلاقية الشخصية. المحور الثالث: الآثار النفسية والاجتماعية على الضحايا والأسر 3.1 الآثار النفسية على الفرد المغتصَب (الضحية) تُصنَّف هذه الآثار ضمن إطار الصدمات المعقّدة: اضطراب الكرب التالي للصدمة المعقّد (C-PTSD) (Herman, 1997): بخلاف اضطراب الكرب التالي للصدمة التقليدي (PTSD)، يؤدي الاغت.صاب الممنهج من قِبل السلطة إلى تدمير شامل للإحساس بالأمان، ما ينتج عنه تدهور في العلاقات الشخصية، وتدنٍ حاد في تقدير الذات، وشعور مزمن بالذنب والعار. التبلّد العاطفي والانفصال: يلجأ الضحايا إلى آليات دفاعية، مثل الانفصال عن الواقع (Dissociation) والتبلّد العاطفي، بوصفها وسائل للبقاء، وهو ما يؤثر سلبًا في قدرتهم على التواصل وبناء علاقات صحية. 3.2 الآثار على أسرة الفرد المغتصَب تعاني الأسرة من ظاهرة الصدمة الثانوية (Figley, 1995): الصدمة بالنيابة: تظهر على أفراد الأسرة أعراض صدمة نفسية نتيجة معايشتهم لمعاناة الضحية، إضافة إلى مشاعر العجز والغضب. الوصم الأسري: يمتد الوصم الاجتماعي المرتبط بالاغت.صاب ليشمل الأسرة بأكملها، ما قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية أو حتى التفكك الأسري، لا سيما في حالات اغت.صاب الرجال، حيث يرتبط الأمر بفقدان الإحساس بالقدرة على حماية العائلة. المحور الرابع: الآثار الاجتماعية الكبرى والتحلل المجتمعي 4.1 تفكيك رأس المال الاجتماعي (Putnam, 1995) يُعد الاغت.صاب الممنهج أداة فعّالة لتقويض الثقة داخل المجتمع (رأس المال الاجتماعي). فعندما يُستخدم العنف الجنسي ضد فئات متعددة، ينهار التضامن الاجتماعي، بما:

يعيق تشكّل مقاومة منظّمة ضد النظام القائم.

يخلق حالة من الشك المتبادل بين الأفراد، تقود إلى الانعزال الاجتماعي والسياسي. 4.2 تفاقم الوصم الاجتماعي (Goffman, 1963) يعمل الوصم الاجتماعي في المجتمع السوداني، الذي يربط مفاهيم الشرف بالجسد، كعامل مضاعِف لأثر الجريمة. وبدلًا من معاقبة الجاني، تُعاقَب الضحية، ما يؤدي إلى:

إحجام الضحايا عن طلب المساعدة أو الإبلاغ خوفًا من النبذ الاجتماعي.

ترسيخ ثقافة الصمت، بما يمنح الجناة حصانة غير مباشرة. المحور الخامس: التوصيات الأكاديمية للعدالة والمعالجة تتطلّب مواجهة ظاهرة الاغت.صاب الممنهج استراتيجية متعددة المستويات: 5.1 العدالة والمحاسبة (العدالة الانتقالية) يجب تبنّي نموذج شامل للعدالة الانتقالية (Lederach, 1997)، يشمل:

المحاسبة القانونية الفورية: إجراء تحقيقات مستقلة وعاجلة في جميع قضايا الاغت.صاب الممنهج، بما في ذلك الادعاءات المرتبطة بـ”وظيفة المغتصب”، وتقديم الجناة إلى المحاكمة محليًا أو دوليًا، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب.

إصلاح الأجهزة الأمنية: إعادة هيكلة الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، وإدراج مبادئ حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي في برامج التدريب، لكسر ثقافة العنف الهيكلي. 5.2 المعالجة النفسية والاجتماعية يجب التركيز على إزالة الوصم وإعادة بناء الثقة المجتمعية:

الدعم النفسي المتخصص: إنشاء مراكز علاج متخصصة في الصدمات المعقّدة (C-PTSD) للضحايا وأسرهم، تركز على استعادة السيطرة الذاتية وبناء الثقة.

إعادة التأهيل المجتمعي: إطلاق حملات توعية اجتماعية ودينية واسعة، تهدف إلى تحويل بوصلة اللوم من الضحية إلى الجاني، مع التأكيد على براءة الضحية الكاملة، وأن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقع حصرًا على الجاني.

#ملف_الهدف_الثقافي #د_جمال_الجاك #حقوق_الإنسان #العدالة #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.