سهيلة بورزق
لا يمكن القول إن العاطفة تفشل أمام العقل، لأنها جزء أصيل من البنية الإنسانية، بل تمثل الوجه الآخر لجوهر الوعي. فالعاطفة هي التي تُحرّك الإنسان، وتمنحه الدافع والرغبة والمعنى، وتنسج شبكة من الانفعالات التي تجعل الفعل البشري أكثر من مجرد استجابة عقلانية باردة. في المقابل، يمنح العقل هذا الاندفاع شكلًا ومعيارًا وضبطًا، حتى لا يتحوّل إلى اندفاع أعمى يجرّ صاحبه إلى التهوّر أو الانحراف. لا يكمن الخلل في العاطفة ذاتها، بل في غياب التناغم بينها وبين العقل. فإذا تحرّكت العاطفة بلا عقل، غدت قوة عمياء، وإذا اشتغل العقل بلا عاطفة، صار جافًّا، ميكانيكيًا، منزوع الدفء. فالتجربة الإنسانية لا تكتمل إلا بتفاعل الاثنين معًا: عقلٌ يُنظّم ويُعقْلِن، وعاطفةٌ تُلهم وتُشعل. إن العقل من دون عاطفة قد يُنتج معرفة باردة لا حياة فيها، كما أن العاطفة من دون عقل قد تتحوّل إلى عاصفة مدمّرة. والحقيقة أقرب إلى أن الإنسان يظل كائنًا مزدوجًا، يقوم على هذا التوتر الخلّاق بين ما يجيش في أعماقه من وجدانات، وما يفرضه عليه عقله من منطق. ليست المسألة صراعًا ينتهي بانتصار طرف على آخر، بل جدلاً مستمرًا يُولّد المعنى، ويؤسّس للحرية، ويحمّل الإنسان مسؤوليته الكاملة تجاه ذاته والعالم.
كاتبة من الجزائر
#ملف_الهدف_الثقافي #سهيلة_بورزق #فلسفة #العقل_والعاطفة #إنسان

Leave a Reply