الجرتق.. حين ينهض التراث ليكتب مستقبل السودان

صحيفة الهدف

 حنظلة السعيد

في ديسمبر 2025، من نيودلهي إلى ضفاف النيل، حملت منظمة اليونسكو إلى السودان رسالة أمل نادرة: إدراج طقس الجرتق ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية. لم يكن القرار مجرد اعتراف دولي بممارسة اجتماعية متوارثة، بل كان أشبه بإضاءة عالمية على عمق الذاكرة السودانية، وعلى ما تختزنه من حكمة روحية وقدرة استثنائية على الصمود، رغم ما أنزلته الح.رب من ضربات موجعة بالجسد والوجدان.

ويأتي هذا الإدراج بعد عامين من تسجيل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ليؤكد أن الذاكرة الثقافية للسودان، مهما أُنهكت، قادرة على النهوض من بين الرماد، مشرعة الأبواب للعالم كي يرى ما نراه نحن أحيانًا سرًا خاصًا: أفراحنا القديمة، جمالنا الموروث، وصلابة جذورنا الضاربة في التاريخ.

الجرتق، في جوهره، ليس مجرد طقس زفاف، بل نظام رمزي متكامل تشكّل عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والبيئة والمجتمع. تعود جذوره إلى حضارات وادي النيل القديمة، حيث كانت طقوس العبور من مرحلة إلى أخرى تُحاط بالرموز الواقية والدلالات الخصيبة. وفي الجرتق، لا يتم الاحتفاء بالزواج بوصفه عقدًا اجتماعيًا فحسب، بل بوصفه تحولًا وجوديًا يستدعي الحماية، والبركة، واستدعاء الذاكرة الجماعية.

تتداخل في هذا الطقس العناصر المادية والروحية لتصنع مشهدًا يشبه السودان في تنوعه واتساعه: أساور الذهب التي ترمز للوفرة والاستمرارية، أقمشة الحرير والشبال ذات الألوان الحمراء والصفراء التي تحيل إلى الحياة والقوة، روائح الضفرة والمحلب التي تستدعي الطهر والصفاء، النقش بالحنّة على كفّي العروسين كعلامة على الحماية والارتباط بالأرض، وصدى الزغاريد الذي يعلو كقسم جماعي بالفرح والعبور الآمن إلى حياة جديدة.

في الجرتق، تتجاور النيلية مع النوبية، والريف مع الحضر، والوسط مع الهامش، ليولد مشهد واحد تتسع فيه البلاد كلها. إنه طقس صاغه الناس العاديون، وحملوه جيلاً بعد جيل، حتى تحوّل إلى وعاء للهوية، ودرس أول في معنى الانتماء، حيث لا تُقصى الفوارق بل تُحتضن داخل مشترك ثقافي رحب.

لكن الاعتراف العالمي الذي تمنحه اليونسكو ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فالقوائم وحدها لا تحمي التراث، والقرارات الدولية لا تكفي لصونه. الناس هم حراس الذاكرة الحقيقيون. التراث لا يزدهر في الفراغ، بل في بيئة من الحرية، وسلام يحرس الذاكرة، وعدالة تكفل للجماعات المختلفة حقها في التعبير عن ذاتها دون خوف أو قمع. إن صون الجرتق، كما صون كنوزنا الثقافية الأخرى، هو دفاع صريح عن حق المجتمع في الحياة الآمنة، وفي الفرح، وفي الاختلاف الذي يُغني ولا يُشرذم.

وفي زمن يعلو فيه هدير السلاح، وتتسع فيه جراح الكراهية وخطابات القبلية والمناطقية، يصبح الحفاظ على التراث فعل مقاومة بحد ذاته؛ مقاومة للنسيان، وللتشظي، وللنزوع إلى محو الوجوه المتعددة التي تشكّل صورة السودان. فالتراث ليس زينة للمناسبات، ولا ترفًا ثقافيًا، بل قوة أخلاقية عميقة تصون قيم المشاركة والكرم والاحترام، وتمنح المجتمع القدرة على إعادة بناء ذاته من الداخل، لا بقرارات فوقية ولا بإملاءات القوة.

ويبقى الجرتق، شأنه شأن كل تراث سوداني أصيل، تذكرة بأن الأمم لا تُبنى بالسلاح، بل بالمعنى؛ ولا تستقيم بالقهر، بل بالحرية؛ ولا تستقر بالحواجز، بل بالصلة الحية بين الناس. فإذا استطعنا أن نصون ذاكرتنا، وأن نعيد إليها ما شوّهته الح.رب، سنجد أنفسنا نعيد بناء السودان ذاته: بلدًا يتسع لجميع أبنائه، ويعي أن مستقبله يبدأ من احترام ماضيه، ومن الإيمان بأن السلام هو الشرط الأول لكل جمال.

#ملف_الهدف_الثقافي #حنظلة_السعيد #الجرتق #تراث_سوداني #اليونسكو #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.