كلمة الهدف بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية

صحيفة الهدف

▪️في الثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر من كل عام، لا تحتفل الأمة العربية بلغةٍ من أهم لغات العالم فحسب؛ بل تستحضر أحد أعمدة وجودها التاريخي والحضاري؛ اللغة العربية، بوصفها وعاء الوعي القومي، وصيرورة تشكّل الأمة الحضاري، وأجنحة تواصلها المعرفي وتفاعلها الإنساني، وشرط بقائها فاعلة في صراعها الطويل من أجل تبليغ الرسالة ومواجهة التفتيت والهيمنة والاجتثاث والتهميش.

▪️فاللغة العربية، في المنظور القومي والإنساني، ليست مجرد وسيلة تواصل أو تراث ثقافي وماضٍ تليد؛ بل هي بنية وعي ثوري، وصيغة تاريخية لصهر الإرادة العربية والتطلعات العربية الإنسانية في مشروع حضاري بحس مستقبلي وبروح العصر. بها تشكّلت الأمة العربية قبل أن تتشكّل دولها، وبها تبلورت ذاكرتها الجمعية وعطائها الثر المتنوع، وعبّرت عن تطلعاتها المعاصرة في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية ومناهضة العنـ.ـصرية والتمييز والاحتـ.ـلال والهيمنة، وبالحوار الحضاري بين الأمم والشعوب واحترام الخصائص الوطنية والقومية لها.

▪️لقد أدرك حزب البعث العربي الاشتراكي، منذ تأسيسه، أن اللغة العربية ليست عنصرًا ثانويًا في بناء الأمة العربية ونهضتها؛ بل هي جوهر القومية العربية. فالأمة العربية أمة واحدة لأنها تتكلم لغة واحدة، تعايشت وتفاعلت بتآخي مع قوميات لها لغاتها وتراثها، عزّز وحدتها بالتنوع، لا لأن حدودًا رسمها الاستعمار والغزاة، جمعتها أو فرّقتها. ومن هنا، فإنَّ أي مساس بالعربية هو مساس مباشر بهوية العروبة وبوحدة الأمة، وأي تهميش لها هو إسهام واعٍ أو غير واعٍ في مشروع تفكيكها والحاقها بالمشاريع التوسعية أَو الاستيطانية.

▪️إن اعتماد الأمم المتحدة للغة العربية لغةً رسمية، لا يغيّر من حقيقة أن الخطر الأكبر على العربية لا يأتي من الخارج، بل من داخل أقطارها؛ حيث يجري فصل اللغة عن مشروع النهضة والتنمية والسيادة، وإقصائها عن ميادين العلم والتكنولوجيا بافتراءات سطحية، وتحويلها إلى لغة ماضوية في الطقوس والشعارات والأحاجي، بدل أن تكون لغة الرسالة المتجددة والعلم والمعرفة والإنتاج والتفاعل والحضارة والسيادة. وهذا الفصل المتعسف لم يكن بريئًا او عشوائيًا؛ بل جاء مترافقًا مع مشروع الهيمنة وتفكيك الدولة الوطنية، وتكريس التبعية، وتصفية القضية الفلسطينية، وتذويب العروبة وهويتها القومية باسم الشرق الأوسط الكبير وإضعاف الوعي القومي.

▪️وفي فلسطين والأحواز وسائر ساحات الصراع القومي، تثبت اللغة العربية أنها سلاح وجود وتصدي قبل أن تكون أداة تعبير. فالعدو الصـ.ـهيوني لم يكتفِ باحـ.ـتلال الأرض، بل سعى إلى تهويد اللغة والأديان والتاريخ والاسم والرواية. والنظام الفارسي الشعوبي في الأحواز لم يكتفِ بقمع الإنسان؛ بل حارب العربية لأنها تحمل ذاكرة الانتماء العربي وتمنح الانتماء معنى الرسالة. ومثل ذلك ما تتعرض له العروبة من النظام الأريتري. وهنا تتجلى حقيقة المعركة؛ من يُحاصر اللغة، يُحاصر الأمة من جذورها ويعادي رسالتها الخالدة المتجددة وهي لغة القرآن والصلوات، مما ساعد في حفظها وثرائها وانتشارها.

▪️إن اليوم العالمي للغة العربية هو يوم لتجديد الالتزام القومي، لا للاحتفال الشكلي. يوم نؤكد فيه أن معركة اللغة هي جزء لا يتجزأ من معركة التحرر والوحدة وبناء الدولة العربية الديمقراطية التقدمية. فاللغة العربية لا تُصان بالخطب؛ بل بالسياسات التعليمية، وبالاقتصاد المنتج، وبالربط العضوي بين اللغة والنهضة العلمية، وبين اللسان والقرار السيادي، وبالاستعداد للعطاء الإنساني، الذي يتخطى الجغرافيا.

▪️إن حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو يخوض معركته ضد التجزئة والاستعمار الجديد والتطبيع والتبعية؛ يرى في الدفاع عن اللغة العربية جزءًا من معركة الوعي القومي والمستقبل النهضوي. فالأمة، التي تفقد لغتها، تفقد بوصلتها، وتتحول من فاعل في التاريخ إلى متلقي أو موضوع فيه بأدنى الأحوال.

▪️وفي السودان، تظل اللغة العربية عاملًا حيويًا ورئيسيًا من عوامل التوحيد والبناء الوطني الديمقراطي الوحدوي، رغم ما خلفه إرث المستعمر وقانون المناطق المغلقة، وتشوهات أنظمة العجز باسم الحلول العسكرية والعنف والأسلمة والتعريب القسري، كَما لا ينتقص من ذلك ردات الفعل ودعواتها الانكفائية والخطاب الشعوبي.

▪️في هذا اليوم، نجدد العهد؛ أن تبقى اللغة العربية لغة الثورة، ولغة الوحدة، ولغة الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، لغة التفاعل والعطاء واحترام التنوع الثقافي والحضاري، ولغة المستقبل العربي المنشود. وبعبارة جزلة: لغة “الإنسانية الصحيحة”.

▪️فاللغة التي وحّدت الأمة وعبرت عن عبقريتها، قادرة أن تقودها من جديد على ذات الطريق وبأفق الوجود الإنساني، متى ما عبرت قوى الأمة المناضلة والحية عن مخزونها الروحي وطاقاتها المتجددة بالفعل والنضال.

وإلى الأمام

حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل)

كلمة الهدف

2025/12/18

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.