نسق الفساد في ولاية الجزيرة.. عودة (الطفيليات) إلى نهش ما تبقّى من جسد المواطن

صحيفة الهدف

مؤيد الأمين

لا شيء يوجع المواطن في ولاية الجزيرة اليوم أكثر من إحساسه بأن الحرب لم تكن سوى ستارٍ كثيف لعودة ذاتالشبكات، التي أفسدت وأفقرت ودمّرت مشروع الجزيرة، ولكن بأنياب أشد شراسة، وبشهية مفتوحة على كل منفذيمكن أن يدرّ المال السهل. فالخراب، الذي أصاب الأرض والإنسان لم يكن كافيًا لتلك الطفيليات؛ إذ عادت الآنلتفرض على المواطن إتاوات يومية، ورسومًا مفروضة خارج القانون، وجمارك طرقيةلا علاقة لها بأي مؤسسةيُفترض أنها تمثل الدولة.

ممرات تتحول إلى مصائد مالية

في كل ممر سير، نقطة ارتكاز، دورية شرطة أو مرور، لجنة مقاومة، مكتب زكاة بحراسة عسكرية.. تتكرر الحكاية ذاتها: لن تمر السيارة إلا بعد دفع مبلغ مالي.

إيصال؟ لا.

سند رسمي؟ لا.

رقم متابعة في وزارة المالية؟ بالطبع لا.

هي سلسلة طويلة من الجيوب المفتوحة، التي لا تُشبع، تعمل بلا لوائح، وتتصرف كأنها سلطة مستقلة داخل سلطةغائبة. وكأن المواطن أصبح غنيمة مباحة في أرض منكوبة، تُنهش في صمت.

والمفارقة المؤلمة أن هذه الممارسات ليست عشوائية، وليست مجرد فوضى أمنية؛ إنها نظام تحصيل موازٍ، غيرمرئي في الدفاتر الرسمية وغير معترف به في خزانة الدولة، لكنه يفرض نفسه بالقوة على حياة الناس.

هل تعرف الإدارات ما يحدث؟

السؤال، الذي يحاول كل مواطن تجنّبه لأنه يعرف إجابته مسبقًا:

هل تجهل الإدارات الحكومية في الجزيرة كل هذه الممارسات؟

من الصعب تصديق ذلك. فهذهالنقاطقائمة بشكل علني على الطرق الحيوية، بكوادر رسمية أو شبه رسمية. ومنغير المعقول أن تعمل بهذا الحجم دون علم الجهات الإدارية.

وإذا كانت تعلمولا تتحركفذلك يعني أنها شريكة.

وإن كانت لا تعلموهو احتمال ضعيففالمصيبة أكبر، لأننا إذن أمام ولاية بلا رقابة، وبلا إدارة، وبلا قدرة علىحماية مواطنيها من تغوّل من يُفترض أنهم أجهزتها.

شبكات قديمة بوجوه جديدة

لا يمكن قراءة هذا الانفلات بمعزل عن التاريخ القريب. فولاية الجزيرة كانت، طوال عقود حكمالكيزان، مختبرًامفتوحًا لأسوأ أنواع الفساد الإداري والاقتصادي: تجريف مشروع الجزيرة، إفقار المزارعين، خلق طبقة طفيلية تعيشعلى الرشاوى والمحسوبيات، وتمكين عناصرها في كل مفصل إداري.

اليوم، ومع غياب الدولة الحقيقية وضعف المؤسسات بعد الحرب، عادت هذه الشجرة الملعونة لتثمر من جديد. نفس الذهنية، نفس الأساليب، ولكن في ظروف تجعل المواطن أكثر هشاشةً، وأكثر عرضة للابتزاز.

فالطفيليات لا تعمل في الضوء؛ هي كائنات تتغذى على الفوضى، وعندما ترى الفرصة سانحة تمد أنيابها في دمالمواطن بلا تردد.

حق المواطن يتحول إلى خرينة للنفوذ

ما يحدث اليوم ليس فسادًا عابرًا، بل نهب منظم لحق المواطن في الحركة والعمل والعيش بكرامة.

فالمال الذي يدفعه المواطن على الطرقصباحًا ومساءًهو نقوده، التي كان سيصرفها على دواء طفله، أو وقودمزرعته، أو قوت يومه.

ومع ذلك، تنتهي هذه الأموال في جيوب أفراد لا يخضعون لرقابة، ولا يملكون تفويضًا قانونيًا، ولا يردّون على أحد.

إنها ضريبة جديدة غير معلنة، يدفعها المواطن بلا قانون، وبلا سند، وبلا مقابل سوى مزيد من الإهانة.

أين الدولة؟ أين القانون؟

في الدول الطبيعية، الفساد الإداري ينمو في الغرف المغلقة. أما في الجزيرة، فهو يجلس على قارعة الطريق، يمد يدهعلنًا، ولا يخجل. وهذا وحده كافٍ ليكشف حجم الانهيار.

الدولة الغائبة لا تعني أن الفساد غائب؛ بل تعني أنه أصبح أكثر جرأة، وأكثر توسعًا، وأكثر وضوحًا.

والأخطر أنه أصبح عادة يومية حتى فقد الناس القدرة على الغضب.

ماذا يفعل إنسان الجزيرة؟

ليس مطلوبًا من المواطن أن يقاتل وحده، وليس عادلًا أن يحارب الابتزاز بينما الإدارات تتجاهل وتستفيد.

لكن إنسان الجزيرة ما زال يملك أدوات مهمة:

التوثيق: تصوير، تسجيل، تدوين، جمع معلومات. هذا هو السلاح الأول ضد الفساد.

التبليغ الجماعي: صوت الفرد قد يُهمّش، لكن صوت المجموعة يصعب إسكاتها.

الضغط المجتمعي: عبر لجان المزارعين، منظمات المجتمع المدني، وروابط القرى.

الإعلام المحلي: كشف هذه الممارسات للرأي العام داخل وخارج السودان.

فالفساد لا يموت بالصمت، بل بالنشر.

ختامًا: الجزيرة تستحق دولة.. لا عصابة

إن وجود عشرات (الجبايات) غير القانونية دليل على غياب الدولة لا على حضورها. ووجود الطفيليات دليل علىهشاشة الجسد لا على قوته.

وما يحدث اليوم في ولاية الجزيرة ليس مجرد فساد إداري؛ إنه انقضاضٌ كامل على ما تبقّى من كرامة المواطنوموارده.

فالمواطن الذي دفع ثمن الحرب من دمه، ألا يستحق أن يعيش دون أن يدفع ضريبة الظلم كل صباح؟

وإذا كانت الحرب قد مزّقت الأرض، فليس من العدل أن يُكمل الفساد تمزيق ما تبقى من روح الناس.

ولاية الجزيرة يمكن أن تنهض.. لكنها لن تنهض ما دامت الشراهة والابتزاز يحكمان الطرق، وما دام الفساد يمسكبمقود الإدارة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.