عالم الاجتماع أ.د عبد السلام سبع الطائي لـ”الهدف”: (2-3)

صحيفة الهدف
  • الـح.رب تفكيكٌ للبنى الاجتماعية وتُحوّل دولة المواطنة إلى “دولة الخردة” في خمس دول عربية
  • فشل المصالحة في العراق صراع بين المكونات السياسية الدخيلة والمكونات المجتمعية الأصيلة
  • التفاهمات الـفلس.طينية هزة اجتماعية ونفسية تمسّ بنية الوعي العربي وتنتج “الصدمة الجمعية” للاجئين

هذا حوار شامل يتنقل بين السيرة الذاتية والمعرفية للقامة الأكاديمية البارزة بروفيسور عبد السلام الطائي، الذي يقدم قراءة سوسيولوجية متعمقة للتحولات التي تعصف بالمجتمع العربي. يبدأ الحوار من أرض الرافدين، حيث تشكّلت الرؤى الأولى، لينتقل إلى تحليل العلاقة المعقدة بين اليأس والأمل في الوجدان العربي، ورسم خارطة طريق لمشروع نهضوي شامل. كما يغوص في أعماق التداعيات الاجتماعية لـح.روب المنطقة، ويطرح نماذج عملية للمصالحة الوطنية، ليختتم بتحليل دقيق للمستقبل العربي في ظل التحولات الرقمية وح.روب الجيل الرابع، مؤكداً أن النهضة تُصنع من الداخل بإرادة الشباب والمعرفة.

حوار: رئيس التحرير – طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

  • كيف يقرأ علم الاجتماع قراءة سوسيولوجية لتداعيات الـح.روب على البنى الاجتماعية في بعض الدول العربية؟

لا ينظر علم الاجتماع إلى الـح.رب بوصفها حدثاً عسكرياً أو سياسياً فحسب، بل بوصفها عملية تفكيك وإعادة تركيب للبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وتشكل حالات الدول الخمس المستهدفة دولياً، العراق، سوريا، اليمن، ليبيا، السودان مختبراً كثيفاً لفهم آليات الانهيار المجتمعي وإمكانات إعادة البناء. فهذه الـح.روب، رغم اختلاف أسبابها وأشكالها، ولّدت أنماطاً متشابهة بتفكك دولة المواطنة إلى “دولة الخردة”، إعادة صياغة الهويات، تشظي الروابط الاجتماعية، وصعود اقتصاد الظل، لكنها أظهرت أيضاً تفاوتات مرتبطة بسياق كل بلد، مثل الطائفية السياسية في العراق، التهجير الواسع النطاق في سوريا، ثقل البنى القبلية في اليمن، صراع المدن والمناطق في ليبيا، والانقسام التاريخي بين المركز والهامش في السودان.

  • ما هي الآليات السوسيولوجية التي أدت إلى تحول دولة المواطنة إلى “دولة الخردة” في الدول العربية المتصارعة؟

أولاً: تفكّك الدولة وتحوّلات المجال المؤسسي: من منظور علم الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا، يكشف تحوّل دولة المواطنة في عدد من الأقطار العربية إلى ما يمكن تسميته بـ”دولة الخردة” حيث تتقدم الطائفة والقبيلة والولاءات الجزئية على العقد الوطني عن هشاشة البنية التي تقوم عليها الدولة الحديثة. فالدولة، بوصفها الركيزة المركزية في تحليل الـح.روب والتحولات الاجتماعية، عندما تتفكك سلطتها الشرعية تتوسع مساحات الفاعلين غير الرسميين: سلطات طائفية، قبلية، محلية، أو ميليشياوية، ما يخلق فراغًا مؤسسيًا تتبدل فيه وظائف الحكم وتُعاد صياغة أنماط الضبط الاجتماعي. وقد مثّلت العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان نماذج واضحة لـ”تعدد السلطات”، حيث تدهور حضور المدرسة والمستشفى والأمن والتنمية والقضاء، وتراجع أداء الدولة في تقديم الخدمات الأساسية، ما أدى إلى إنتاج أشكال جديدة من اللامساواة ترتبط بالقدرة على الوصول إلى الموارد عبر الولاء الضيق أو اقتصاد الـح.رب. في هذا السياق، تُطرح على عالم الاجتماع أسئلة جوهرية حول كيفية إعادة تعريف الشرعية، وكيف تنشأ شبكات نفوذ بديلة تملأ الفراغ الناتج عن غياب مؤسسات الدولة، وما إذا كانت هذه الشبكات تمهّد لتحولات بنيوية دائمة في نموذج الدولة والمجتمع.

ثانياً: إعادة تشكيل الهويات والحدود الاجتماعية: لم تعد الهوية في هذه السياقات مجرد انتماء ثقافي، بل تحولت إلى حدود اجتماعية وسياسية حاسمة تحدد من “ينتمي” ومن “يُقصى”. في سوريا والعراق مثلاً، أعادت الطائفية تشكيل الخريطة الاجتماعية؛ وفي اليمن والسودان لعبت البنى القبلية والإقليمية دوراً مركزياً؛ أما ليبيا فشهدت صراعاً بين مدن ومناطق أساسه تقاسم النفوذ. تنظر المقاربة السوسيولوجية هنا إلى كيفية تحوّل الهويات إلى آليات تعبئة تحكم توزيع الموارد، وتعيد صياغة العلاقات بين الجماعات، وتؤطر العنف بوصفه “أداة” لترسيم الحدود.

ثالثاً: النزوح واللجوء لقلب الهرم الديمغرافي: أنتجت هذه الـح.روب أكبر موجات تهجير لتغيير المزيج الديموغرافي الفسيفسائي في المنطقة. علماً أن النزوح لا يغيّر فقط توزيع السكان، بل يعيد تشكيل أنماط الحياة: تبدل أدوار الأسرة، مثل زيادة عمل النساء مقابل غياب الرجال بفعل الـق.تال أو الهجرة، وضعف السلطة الأبوية والأمومية وانهيار منظومات الضبط الأسري. يدرس عالم الاجتماع هذه التحولات كعملية ديناميكية تتأسس على اضطراب الأمن والتنمية، وفقدان الإحساس بالاستقرار، وتغير معنى المكان والانتماء.

رابعاً: اقتصاد الظل والنخب الـح.ربية: في ظل انهيار الاقتصاد الرسمي، تتوسع “اقتصادات الظل” كوسائل للبقاء. تشمل هذه الأنشطة التهريب، تجارة السلاح، الاتجار غير القانوني، والاعتماد على تحويلات الخارج. ويبرز ما يسمى النخب الـح.ربية التي تتشكل مصالحها حول استدامة الصراع، لا إنهائه. تكشف المقاربة السوسيولوجية أن اقتصاد الـح.رب لا يمثّل هامشاً، بل يصبح بنية موازية للسلطة، يتداخل فيها العنف، الربح، والشبكات المحلية.

خامساً: يصبح العنف ممارسة اجتماعية: العنف لا يُفهم كحدث عسكري فقط، بل كخبرة اجتماعية تعيد تشكيل السلوك اليومي. يتسرّب العنف إلى المدرسة، الأسرة، والفضاء العام، ويظهر في لعب الأطفال، وأنماط تواصل المراهقين، وتنظيم الحياة داخل المخيمات. وهنا تصبح دراسة الصدمات الجمعية، وطرق إعادة دمج الأطفال، ومسارات التعافي النفسي-الاجتماعي جزءاً من التحليل البنيوي للمجتمع.

سادساً: تآكل رأس المال الاجتماعي وأزمة الثقة: تؤدي الـح.روب إلى انهيار الثقة المتبادلة بين الأفراد، وبين المجتمع والدولة، ما يخلق أزمة عميقة في رأس المال الاجتماعي. في غياب الأمان وصعود الولاءات الضيقة، تتراجع الهوية الوطنية، بينما تقوى شبكات الانتماء الضيقة مثل العائلة والقبيلة والطائفة. يدرس علم الاجتماع هنا كيف تتحول الشبكات الاجتماعية من آليات تضامن إلى آليات حماية في بيئة عالية المخاطر.

سابعاً: آفاق إعادة البناء وتفعيل الأمل الاجتماعي: يمثل التعافي بعد الـح.رب مجالاً مركزياً للتحليل. فإعادة بناء المجتمع ليست عملية هندسية، بل عملية تفاوض اجتماعي طويل. لذلك يدرس عالم الاجتماع: ديناميات المصالحة الوطنية وإمكانات تجاوز العداوات، دور مؤسسات المجتمع المدني في إعادة تشكيل الروابط الاجتماعية، سياسات إعادة الإعمار وارتباطها بالعدالة الاجتماعية، وشروط إنتاج ثقة جديدة بين المواطنين والدولة.

تقدم حالة العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان نموذجاً مكثفاً لفهم كيفية تأثير الـح.روب على المجتمعات: تفكك الدولة، تشظي الهويات، تبدل أنماط العيش، واتساع اقتصاد الظل، مع تآكل رأس المال الاجتماعي. غير أنّ خريطة النار هذه لا تلغي خريطة الأمل، إذ تكشف التجارب ذاتها عن إمكانات لإعادة بناء الثقة، وخلق صيغ جديدة للتعايش، وتبلور مبادرات محلية ومدنية تبحث عن العدالة والعيش المشترك. هنا يصبح علم الاجتماع أداة لفهم ما تهدم، ولتصور ما يمكن أن يُبنى.

  • ما أنجح نماذج المصالحة الوطنية التي يمكن إستلهامها عربيًا في الدولة المتصارعة كالسودان والعراق ولبنان واليمن؟

تواجه العديد من الدول العربية، مثل: السودان، العراق، لبنان، واليمن، تحديات متشابكة ناجمة عن صراعات مسلحة وطائفية وقبلية، مع تدخلات إقليمية ودولية. في هذا الإطار، يشكل البحث عن نماذج مصالحة وطنية ناجحة ضرورة ملحة لإعادة بناء الدولة وتعزيز الاستقرار. تُظهر التجارب العالمية أن المصالحة الوطنية لا يمكن اختزالها في اتفاقات سياسية فحسب، بل هي عملية طويلة تتطلب تكييف الآليات الدولية الناجحة مع الخصوصيات المحلية لكل بلد.

  • ما هي الدروس المستخلصة من نماذج جنوب أفريقيا ورواندا وكولومبيا وتونس في المصالحة، وكيف يمكن تكييفها مع الواقع العربي؟

نماذج مصالحة وطنية ناجحة عالمياً ويمكن استلهامها، جنوب أفريقيا: العدالة الانتقالية القائمة على الحقيقة: تجسد تجربة جنوب أفريقيا نموذجاً فريداً للعدالة الانتقالية، إذ اعتمدت على لجنة الحقيقة والمصالحة التي ركزت على الاعتراف العلني بالانتهاكات مقابل منح العفو المشروط. وقد أسهمت هذه الآلية في بناء رواية وطنية مشتركة تخفف من حدة الانقسامات الاجتماعية والسياسية. إمكانات الاستلهام العربية: تشكيل لجان حقيقة لكشف الانتهاكات في السودان واليمن والعراق دون تحويل العملية إلى تصفية حسابات، وتفكيك سرديات الكراهية الطائفية والقبلية. التحديات: يتطلب هذا النموذج إرادة سياسية موحدة ووحدة في النخب، وهو ما قد يفتقد في العراق ولبنان والسودان في الظروف الراهنة.

رواندا: الدولة المركزية القوية وإعادة الدمج المجتمعي: بعد الإبادة الجماعية، استطاعت رواندا بناء دولة مركزية قوية، وأنشأت محاكم مجتمعية (“غاشاشا”) لضمان المساءلة، وطبقت برامج لإعادة دمج المقاتلين السابقين، مع التركيز على تعزيز هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات الإثنية. إمكانات الاستلهام العربية: إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية في العراق والسودان واليمن على أسس وطنية، إنشاء محاكم مجتمعية لحل النزاعات المحلية، وبرامج تأهيلية منظمة لإعادة دمج المقاتلين وتفكيك الميليشيات. التحديات: النجاح يعتمد على سلطة مركزية قوية وشرعية واسعة، وهو عنصر غائب في الدول العربية المتصارعة.

كولومبيا: دمج المتمردين بضمانات سياسية وتنموية: نجحت كولومبيا في توقيع اتفاق سلام مع حركة FARC تضمن دمج المقاتلين في العملية السياسية، إلى جانب إصلاح الأراضي وتنمية المناطق الريفية، وخلق آليات عدالة انتقالية (محاكم ولجان حقيقة). إمكانات الاستلهام العربية: دمج القوى المسلحة في العملية السياسية الإنتاجية والزراعية لا في المؤسسات الأمنية والعسكرية في اليمن والسودان، وتنفيذ برامج DDR (التسريح–التجميع–إعادة الدمج) تدريجياً.

الحوار الوطني التونسي: شكل الحوار الوطني التونسي نموذجاً عربياً للحوار الشامل بين الأطراف المتصارعة، مع دور محوري للمجتمع المدني في التوصل إلى خارطة طريق واضحة للانتقال السياسي. إمكانات الاستلهام العربية: إشراك أطراف وسيطة محلية محترمة في السودان ولبنان واليمن، واعتماد خارطة طريق متدرجة تتيح معالجة النزاعات بشكل مرحلي.

  • ما هي أهم العناصر المشتركة لنجاح أي عملية مصالحة وطنية عربياً، وما الذي كشفته دراسة النموذج العراقي عن طبيعة الصراع؟

القواسم المشتركة للنماذج الناجحة: تحليل التجارب السابقة يشير إلى سبعة عناصر رئيسية لنجاح أي عملية مصالحة وطنية عربياً: الاعتراف المتبادل بالانتهاكات وتوثيقها رسمياً. الضمانات الدولية والإقليمية لمنع انهيار الاتفاقات. دمج المسلحين تدريجياً ضمن برامج إنتاجية وزراعية وتسريح وإعادة دمج منظمة. إصلاح أمني مؤسسي يعيد بناء الدولة بدل توزيع السلطة على الميليشيات. تعزيز الهوية الوطنية الجامعة التي تتجاوز الانقسام الطائفي والقبلي. تنمية اقتصادية عادلة لمعالجة جذور التهميش والصراع. مشاركة مجتمعية واسعة لا تقتصر على زعماء الـح.رب أو النخب السياسية.

وحول النموذج العراقي الفاشل: هناك دراسة ميدانية عام 2012 (عبدالسلام الطائي): بتكليف من جامعة ستوكهولم وبالتعاون مع لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان السويدي، أُجريت دراسة ميدانية حول المصالحة في العراق عام 2012، تحت عنوان: “المصالحة في العراق مثلث متساوي الساقين”. استندت الدراسة إلى نظرية ما سلو وتجربة المصالحة في ألمانيا كنموذج نظري. أهم النتائج والاستنتاج: تكشف الدراسة أن فشل المصالحة في العراق ليس نتيجة الصراع بين المكونات الدينية أو القومية، بل هو صراع بين الدخيل والأصيل، بين المكونات السياسية الدخيلة والمكونات السكانية المجتمعية الأصيلة، مما يوضح أن المصالحة الحقيقية تتطلب معالجة الأبعاد السايكوباثية النفسية والسياسية والاجتماعية للأحزاب الحاكمة.

  • كيف يقرأ علم الاجتماع التداعيات الاجتماعية والنفسية المحتملة لأي تفاهمات فلس.طينية على المجتمعات العربية، وخاصة على اللاجئين والنازحين؟

يقدّم المنظور السايكو–سوسيولوجي–الجيوسياسي إطارًا مركّبًا لفهم الآثار المحتملة لأي تفاهمات فلس.طينية على البنى الاجتماعية والوجدانية داخل الوطن العربي. فهذه التفاهمات لا تُقاس بنتائجها السياسية فحسب، بل تُقرأ كأحداث صادمة أو مهدّئة تعيد تشكيل الخيال الجمعي وتحرّك توازنات الهوية والانتماء لدى اللاجئين والمجتمعات المضيفة.

  • ما هي “الصدمة الجمعية” المحتملة للاجئين في حال تضمّنت التفاهمات تنازلات، وكيف تؤثر على أزمة الهوية لدى الشباب الفلسطيني؟

التداعيات الاجتماعية والنفسية على اللاجئين والنازحين: تمثّل التفاهمات الـفلس.طينية لحظة حساسة للاجئين لتداخلها مع بنية الذات والذاكرة والحقّ التاريخي. نفسياً، قد تولّد التفاهمات مزيجًا من الأمل بالخلاص أو العودة مقابل الخوف من فقدان الحقوق. ولدى الشباب خصوصًا قد تنشأ أزمة هوية متأرجحة بين الانتماء الوطني والاندماج في البيئات الجديدة. وفي حال تضمّنت التفاهمات تنازلات، قد تتشكل “صدمة جمعية” تهدد السردية التاريخية للوجود الفلسطيني.

  • كيف يمكن للتفاهمات الإقليمية أن تعيد تعريف الهوية العربية ومكانة قضية فلس.طين، وهل تبقى الـقدس “البوصلة الأخلاقية”؟

أثر التفاهمات على مركزية القضية الـفلس.طينية في الوعي الجمعي العربي: تمثل فلس.طين القضية الجوهرية المركزية لنحو مليار ونصف عربي ومسلم، وأي اتفاق سيعيد تموضعها داخل الوعي الجمعي العربي الإسلامي. فالاتفاق العادل قد يعيد مفهوم “القضية المركزية” بربطها بالتحقّق السياسي لا بالشعارات. أما الاتفاقيات المثيرة للجدل فقد تُفضي إلى تراجع رمزية القضية في الوجدان الشعبي وتحويلها إلى ملف سياسي حكومي.

  • هل تُعيد التفاهمات الإقليمية تعريف الهوية العربية؟
    تاريخياً، تشكّلت الهوية العربية والإسلامية الحديثة حول مركزية فلس.طين والقدس، لكن التحوّلات الإقليمية تحمل إمكانية التأثير في موقعها ضمن الوجدان العربي عبر ثلاثة مسارات رئيسية: توسيع الهوية بدلاً من استبدالها: تتجاور مكانة القدس الثابتة مع قضايا أخرى مثل التنمية والاقتصاد والتكنولوجيا، من دون أن تلغي الرمزية التاريخية لـفلس.طين. تجزئة الهوية بين الأنظمة والشعوب: اختلاف الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية بين الدول العربية قد يقود إلى تباينات في الخطاب تجاه فلس.طين، ما يوسّع الفجوة بين القرار الرسمي والمشاعر الشعبية. اهتزاز الوحدة الرمزية إذا اعتُبرت التفاهمات تنازلاً: حين تُفهم الاتفاقات على أنها تمسّ القدس أو الحقوق الـفلس.طينية، فإن سردية “الوحدة الوجدانية” التي ربطت العرب عقودًا قد تتعرض للاهتزاز.

نافلة القول: إن التفاهمات الـفلس.طينية ليست حدثًا سياسياً معزولًا، بل هزة اجتماعية ونفسية تمسّ بنية الوعي العربي الإسلامي.

  • ما تحديات بناء المواطنة والتعايش في المجتمعات العربية بما يعتريها من تنوع ثقافي واجتماعي وإثني في مرحلة ما بعد الصراع؟

قراءتنا الأنثروبولوجية والديموغرافية بشأن تحديات بناء المواطنة والتعايش بعد الصراع في المجتمع العربي من أجل أن: يخرج المجتمع العربي من الصراع كبنية هشّة تعيد تشكيل ذاتها تحت ضغط التحولات السكانية، والذاكرة الجماعية المثقلة بالعنف، وتنافس الهويات والسرديات. فمن منظور أنثروبولوجي–سياسي، لا تُبنى المواطنة عبر التشريعات فقط، بل عبر فهم ديناميات العيش المشترك، وتمثلات الهوية، والعلاقات بين الجماعات.

  • بالإضافة إلى الصدمات النفسية، ما هي التحديات البنيوية (المؤسسية والسردية) التي تعيق بناء المواطنة المتساوية في مجتمعات ما بعد الصراع؟

توتر الهويات المحلية والهوية الوطنية: تدفع التجارب العنيفة الأفراد إلى اللجوء لهوياتهم الأولية: الطائفة، العشيرة، الإقليم بحثًا عن الأمان. هذه العودة تُضعف مسار بناء هوية وطنية جامعة، وتخلق ولاءات متنافسة بين المحلي والوطني.

ضعف المؤسسات وغياب العدالة: مرحلة ما بعد الصراع تشهد عادةً فراغًا مؤسسيًا وتراجعًا لسيادة القانون، ما يجعل الجماعات تشعر بالتمييز أو التهديد.

الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية: يؤدي الدمار وتفاوت توزيع الموارد إلى إعادة تشكيل القوة الاجتماعية.

الصدمات النفسية والتحولات السكانية: اللاجئون والنازحون، والأسر المكلومة، والخريطة الديموغرافية المتغيرة، جميعها تنتج خوفًا ونقصًا في الثقة وتوجسًا من الآخر.

تحديات التنوع الثقافي والإثني: حين يُهمّش التنوع اللغوي والثقافي يتحول إلى عامل صدام، بينما يتحول إلى مصدر قوة عندما تحميه الدولة ضمن إطار المواطنة المتساوية.

السرديات المتنافسة حول الماضي: ينجم عن الصراعات روايات متضادة، أن ترى كل جماعة فيها نفسها ضحية. غياب رواية مشتركة يجعل المصالحة صعبة ويخلق أجيالًا تحمل تصورات متباينة للوطن والتاريخ.

دور الإعلام والاتصال: الإعلام بعد الصراع قادر على تعزيز السلم أو تأجيج الكراهية.

غياب التربية على المواطنة: غياب برامج المواطنة وحقوق الإنسان يترك الأجيال الشابة أسيرة الانقسامات القديمة بدل بناء ثقافة جديدة للتنوع.

خلاصة القول: إعادة بناء المواطنة في المجتمع العربي بعد الصراع تتطلب معالجة البنى الاجتماعية والهويات المجروحة، لتصبح المواطنة مشروعًا ثقافيًا اجتماعياً قادراً على نقل المجتمعات من الانقسام إلى تعايش مستدام.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.