- النهضة العربية تبدأ من الداخل.. وعلى الجيل الرقمي استبدال ‘عقلية الصدمة’ بـ ‘عقلية البناء’
- المنهج العربي وصفي وتاريخي.. والغربي علمي وبنيوي.. والنهضة تحتاج بناء رأس مال نفسي/اجتماعي جديد
- التحوّل من متفرج إلى فاعل يبدأ بالهوية الواثقة والاقتصاد المنتج
- الفرق الحاسم بين المنهج الغربي والعربي هو علمية البنية مقابل وصفية التاريخ والهوية
- هوية واثقة، اقتصاد منتج، وسردية حضارية للمستقبل.. هذه ملامح المشروع النهضوي العربي
مقدمة :
هذا حوار شامل يتنقل بين السيرة الذاتية والمعرفية للقامة الأكاديمية البارزة بروفيسور عبد السلام الطائي، الذي يقدم قراءة سوسيولوجية متعمقة للتحولات التي تعصف بالمجتمع العربي. يبدأ الحوار من أرض الرافدين، حيث تشكّلت الرؤى الأولى، لينتقل إلى تحليل العلاقة المعقدة بين اليأس والأمل في الوجدان العربي، ورسم خارطة طريق لمشروع نهضوي شامل. كما يغوص في أعماق التداعيات الاجتماعية لح.روب المنطقة، ويطرح نماذج عملية للمصالحة الوطنية، ليختتم بتحليل دقيق للمستقبل العربي في ظل التحولات الرقمية وح.روب الجيل الرابع، مؤكداً أن النهضة تُصنع من الداخل بإرادة الشباب والمعرفة.
حوار: رئيس التحرير- طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
كيف شكّلت رحلتك الأكاديمية بين الجامعات العربية والأوروبية رؤيتك لتحليل الأزمات الاجتماعية؟
بدأتُ رحلةَ الاغترابِ القسرًي بالمنفى، من أرضٍ كانت يومًا مهدَ الحضاراتِ وحاضنةَ الرسالات، ومن شوارعِ بغدادَ الرشيد، التي تعلّم فيها أبناءُ المجدِ الحقيقي. هناك، وسطَ مدارسِ وجامعاتِ العاصمةِ العريقة، وجدتُ نفسي أصطدمُ بغزاةٍ وطارئي النعمة، ممّن لا أصلَ لهم ولا جذور، يحاولون ارتداءَ عباءةِ التاريخِ التي لا تليقُ إلّا بأصحابها. تشربتُ أوّلَ دروسي في الحياةِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ ببغداد، قبل أن تتّسعَ آفاقي نحو فرنسا، حيث حصلتُ على شهادتي الماجستير الأولى في علم الاجتماع، والثانية في علم النفس للبحوث التطبيقية، ثم الدكتوراه في علم اجتماع الدول النامية من جامعتي بوردو والسوربون.
ما الذي تعلمته تحديداً من تجربتك الأكاديمية في الخارج حول تحليل الأزمات الاجتماعية؟
هناك تعلّمتُ أن تحليلَ الأزمات الاجتماعية يحتاج إلى دمجِ العمق النظري بقراءةِ الواقع الميداني: بشريًّا وجغرافيًّا، ريفيًّا وبدويًّا وحضريًّا، وأن فهمَ المجتمعات لا يمكن أن يكون معزولًا عن سياقاتها الثقافية والتاريخية.
بعد عودتك إلى بغداد عام 1979، ما هي أبرز المناصب والمحطات العملية التي مررت بها؟
مع عودتي إلى بغداد بعد تخرّجي عامَ 1979، بدأتُ مرحلةً جديدة من التجربة العملية: أستاذًا في جامعة بغداد، ومحاضرًا في كليات القانون والعلوم السياسية والإدارة والاقتصاد، وكأحد مؤسسي كلية الأمن القومي برئاسة الجمهورية ورئيسًا لقسم العلوم العامة فيها (علم الاجتماع والنفس والجيو- بولتك). وقد تمَّ اختيارُنا بأمرٍ رئاسي وفقًا لمؤهلاتنا، لا لانحداراتنا أو انتماءاتنا السياسية، بل كأفضلِ عشرةِ أساتذةٍ في الجامعات العراقية.
كيف أثرت عليك نكبة العراق عام 2003 وما تبعها من مآسٍ شخصية؟
بعد نكبةِ الأمة بالعراق عامَ 2003، يومَ أصبحتْ بغدادُ أسيرةَ الاحتلال، وجدتُ نفسي في قلبِ جحيمٍ لم أتخيَّل يومًا أن تطأه قدماي؛ ستّةٌ من إخوتي وأبنائهم سقطوا برصاصِ الميليشيات، لأنّهم وقفوا بوجهِ المحتلِّ وطارئي النِّعمةِ والجذور. كان المشهدُ أكبرَ من الفاجعةِ نفسها، وكانتِ الفاجعةُ أكبرَ من أن تُحتمل: فاجعةُ فقدانِ العراقِ وإخوتي، فكانتِ المأساةُ أعظمَ من أن يطيقَها قلبٌ حي. هجرةٌ قسريةٌ حملتني من العراق إلى باريس، لا مبعوثًا حكوميًّا كما كنتُ من قبل، بل طالبًا للّجوء هذه المرّة، أحمل حقيبةً أثقلتها الذكريات وصور الراحلين.
ما هي المحطات التي تلت الهجرة القسرية وكيف واصلت مسيرتك الأكاديمية؟
من باريس إلى السويد والدنمارك وروسيا وهلسنكي وألمانيا، إلى أن حطّ بي الرحال مؤقتًا بين ستوكهولم وبريطانيا، أبحث عن فسحةِ حياة بعدما ضاق الوطن، وأقاوم ألم فراق الأهل والأحبة، ذلك الألم الذي لا يهدأ ولا يشيخ… بل يرافقني كظلّي أينما ذهبت. ومع ذلك، لم أنحنِ للغزاة؛ فقد واصلتُ طريقي، ومارستُ مهنتي التي حملتُها معي أينما ذهبت: التدريس والبحث العلمي الإمبيريقي. وقد تجاوز رصيدُنا العلمي قبل المنفى وفيه 150 مؤلَّفًا وبحثًا ومقالًا باللغات الفرنسية والسويدية والعربية.
ما أبرز الجوائز والمؤسسات الدولية التي شاركت فيها/ساهمت في تأسيسها؟
تحوّلت رحلتي الأكاديمية والسياسية إلى رحلةٍ عالميةٍ تجاوزت حدودَ الهجرةِ والألم؛ أستاذًا وباحثًا في جامعتي كوبنهاغن وستوكهولم الحكوميتين، حيث انفتحتُ على تجارب جديدة، وواجهتُ تحديات اجتماعية وسياسية عميقة أعادت تشكيل رؤيتي للعالم. حصلت فيها على الجوائز الدولية التالية: 1986: جائزة الدولة التقديرية – وزارة التعليم العالي – العراق. 2009: جائزة الدولة السويدية كواحدٍ من أفضل مئة شخصية متميّزة في السويد. 2020: درع الإبداع والتميّز الأكاديمي – جامعة بغداد. 2023: شهادة تقديرية من الاتحاد الأوربي ببروكسيل. لكن همومُ الوطنِ والأمّة لم تفارقني يومًا؛ حملتُها معي في كلّ محاضرةٍ، وبحثٍ، ومؤتمرٍ دولي، وفي لقاءاتٍ داخل البرلمان السويدي وبمجلس اللوردات البريطاني، وفي مقرّ الأمم المتحدة بجنيف والاتحاد الأوروبي. كما شاركتُ في الندوة الأمريكية–السويدية حول العراق بحضور الناشطة الأمريكية “سندي شيهان”، وأخرى جمعتني بالنائب الأمريكي “جوزيف كينيدي”، بالإضافة إلى ندوةٍ مشتركة مع نائب الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق “هانز سبونيك” في فيينا عام 2017. حاولتُ من خلالها أن أنقل خبرةَ قرابة نصف قرنٍ في خدمة المجتمع العربي إلى كلّ منبرٍ وصلتُ إليه، صانعًا جسرًا بين المعرفة والعمل والواقع الاجتماعي. ومن هناك، ساهمتُ مع زملائي في تأسيس مؤسساتٍ كان هدفي منها جمعَ الكفاءات وصناعةَ صوتٍ عربيٍّ مستقل، ومنها: الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في دول اسكندنافيا والمملكة المتحدة، الأمين العام المساعد لاتحاد الاجتماعيين العرب، المنتدى العراقي للكفاءات والنخب، النائب الأول للمجلس العربي للأكاديميين والكفاءات، واتحاد الأكاديميين والمثقفين العراقيين.
ما هي قناعتك الراسخة التي خلصت إليها بعد رحلة التهجير والعمل الأكاديمي العالمي؟
تحوّلت مأساةُ التهجير إلى قوة، والمنفى إلى مساحةِ تأثير… رحلةٌ بدأت بالألم وانتهت بالأمل، ولم تتحقّق إلّا بالعمل والإصرار وصناعة الأثر. وقد أكسبني تراكمُ هذه الخبرات يقينًا لا يتزعزع: النهضة العربية تبدأ من الداخل؛ من التعليم الحديث، والمؤسسات القوية، والشباب العربي الرقمي الجديد القادر على الفعل والابتكار. فالعلمُ والمعرفةُ ليسا رفاهية، بل أدواتُ صناعةِ المستقبل، ووسيلةٌ لتحويل الأزمات إلى فرص، والمجتمع العربي إلى قوةٍ فاعلةٍ في عالمٍ متغيّر. واليوم، أرى أن رسالتي لا تقتصر على التعليم أو البحث، بل تمتدّ إلى إشعالِ شرارةِ التغيير، وتمكينِ الشباب من أن يكونوا صانعي مجتمعهم والمستقبل العربي الرقمي الواعد. فكلُّ رحلة، مهما طالَت بين الميدان والأكاديمية، تبدأ بخطوة… وقد خطوناها، بحمد الله.
ما أبرز الفوارق بين المنهج الغربي والعربي في مقاربة الظواهر الاجتماعية؟
تقوم المقاربات المنهجية الغربية والعربية على أسس معرفية وثقافية مختلفة، ما ينعكس على طرق الفهم والتحليل الاجتماعي في كل منهما. ولعل ابرز الفروقات تتمثل في: الأساس المعرفي حيث يرتكز المنهج الغربي على المناهج التطبيقية الامبيريقية العلمية الحديثة وأدواتها: الملاحظة الميدانية، التحليل الإحصائي، والنظريات البنيوية والوظيفية والنقدية. أما المنهج العربي فيمزج بين استلهام التراث والمناهج الغربية، مع حضور قوي للقراءات القيمية والخطابية والتاريخية الوصفية. كذلك هناك الفرد مقابل الجماعة، وضعية الدولة والمجتمع، دور التاريخ والذاكرة، فضلا عن الهوية والانتماء، بالإضافة إلى الدين والمجال الاجتماعي، وكذلك السلطة والخطاب، وأخيرا الأدوات البحثية.
كيف يختلف تركيز المنهجين على الفرد والجماعة وعلى مفهوم الدولة والمجتمع؟
الفرد مقابل الجماعة: الغربي يركز على الفرد بوصفه وحدة التحليل الأساسية، بينما العربي يميل إلى قراءة السلوك عبر البُنى الجماعية كالأسرة والقبيلة والطائفة. في الغرب، تُدرَس الدولة كفاعل مؤسسي يخضع للمساءلة، فيما تُنظر إليها عربيًا بوصفها سلطة أو راعيًا، مع تركيز على مفاهيم الشرعية والولاء والتجانس.
ما هو دور التاريخ والذاكرة والهوية والدين في كلا المنهجين؟
دور التاريخ والذاكرة: التحليل الغربي يميل إلى سياقات زمنية محدودة وتحولات حديثة، بينما يستحضر التحليل العربي التاريخ الطويل والذاكرة الجمعية لتفسير الحاضر. الهوية والانتماء: الغرب يرى الهوية كعملية متغيرة تُدار عبر سياسات التنوع، فيما يقرأها العرب ضمن إطارات دينية وطائفية وقبلية ذات ثبات أكبر وتأثير أعمق. الدين والمجال الاجتماعي: المقاربات الغربية تميل إلى دراسة الدين كعامل ثقافي، أما العربية فتنطلق غالبًا من اعتبار الدين عنصرًا بنيويًا في الهوية والشرعية الاجتماعية.
كيف يختلف التعامل مع السلطة والخطاب، وما هي الأدوات البحثية التي يعتمد عليها كل منهج؟
السلطة والخطاب: يركز الغرب على السلطة في بعدها البنيوي والمؤسسي، بينما ترتبط السلطة عربيًا بالأشخاص والهويات المحلية والتوازنات الاجتماعية. الأدوات البحثية: يعتمد الغرب على تقنيات الذكاء الاصطناعي وصياغة الخوارزميات في المناهج الكمية والبيانات الواسعة، بينما يركز المنهج العربي على السرديات والمقابلات والتحليل الخطابي، مع محدودية البنى الإحصائية.
ما هي خلاصة الفارق الجوهري بين المنهج الغربي والعربي؟
المنهج الغربي علمي–مؤسساتي يقوم على تحليل بنيوي قابل للقياس، بينما المنهج العربي وصفي تفسيري يتأثر بالتاريخ والهويات والديناميات الاجتماعية التقليدية. ويتيح الجمع بينهما بناء مقاربات عربية أكثر علمية ومرونة، تراعي الخصوصية الثقافية دون إغفال أدوات التحليل الحديثة.
كيف يمكن استثمار هذا التراكم العلمي لخدمة المشروع النهضوي العربي؟
المشروع النهضوي العربي يحتاج قبل أي شيء إلى إعادة بناء الإنسان، وهذه قناعة راسخة لدينا منذ عقود طويلة. يمكن توظيف هذا التراكم العلمي عبر ثلاثة مسارات، أولها بناء وعي اجتماعي جديد، ثانيها تطوير سياسات تنموية قائمة على الإنسان لا على البنى التحتية، ثالثها إنتاج معرفة عربية قادرة على المنافسة عالميًا.
هل تتفضل بشرح هذه المسارات لاستثمار التراكم العلمي؟
مسار بناء وعي اجتماعي جديد، يتم من خلال إنتاج معرفة نقدية تفكك الطائفية والعنف والانقسام، وتعيد وصل المواطن بالدولة على أساس وطني مدني.
وماذا عن المسار الثاني المتعلق بالسياسات التنموية؟
تطوير سياسات تنموية قائمة على الإنسان لا على البنى التحتية بمعنى: لا نهضة بلا جامعة حرّة، ولا دولة بلا مواطن واعٍ. المناهج العلمية والخبرات الميدانية يمكن أن تسهم في صياغة سياسات اجتماعية واقتصادية حديثة، وفي تحصين المجتمع ضد التضليل الرقمي وصناعة الوعي الزائف.
وما هو المسار الثالث لإنتاج معرفة عربية منافسة عالمياً؟
إنتاج معرفة عربية قادرة على المنافسة عالميًا عبر تشجيع البحث العابر للحدود، الاستفادة من تجارب الدول الصاعدة، تحرير الجامعة من التسيس، ربط البحث العلمي بالتنمية الحقيقية. بهذا يصبح التراكم العلمي الذي كُرّس لعقود طويلة رأسمالًا معرفيًا يخدم مشروعًا عربيًا نهضويًا يستند إلى العقل والإنسان والمؤسسة، لا إلى الانفعال أو الشعارات.
كيف تنظر لمستقبل الجماهير العربية.. بين اليأس والأمل؟
تكمن الإجابة في تحليلنا لظاهرتي اليأس والامل لدى الجماهير العربية على النحو الآتي: يقدّم التحليل السايكو–سوسيولوجي فهماً لمستقبل الجماهير العربية بين اليأس والأمل عبر تفكيك ثلاث قضايا مركزية: حالة العقل الجمعي، آليات تحويل الغضب إلى فعل منظّم، والعامل الحاسم في رسم المستقبل.
وكيف تصف الحالة الراهنة للعقل الجمعي العربي؟ هل هو عقل مهزوم أم ما زال يحمل بذور المقاومة؟
أولاً، العقل الجمعي العربي ليس مهزوماً ولا مقاوِماً بالكامل، بل منشطر بين مستوى نفسي مُثقل بـ الصدمة الجمعية المستمرة، تتجلى في الإحساس بالعجز المكتسب، والتشتت الإدراكي، والتسليم القدري كآلية دفاعية؛ وبين مستوى اجتماعي يحتفظ ببذور مقاومة فاعلة تظهر في تصاعد الحسّ الأخلاقي العابر للحدود، وتحوّل السوشيال ميديا إلى أدوات تعبئة، وعودة الاهتمام بالهوية كحاضنة لإعادة التماسك. لذلك يبقى العقل الجمعي جريحاً لكنه غير مستسلم. ثانياً، تحويل الغضب الشعبي إلى قوة تغيير منظمة، ثالثاً، بناء رأس مال نفسي|اجتماعي جديد.
وما السبل العملية لتحويل الغضب الشعبي إلى قوة تغيير منظمة؟
تحويل الغضب الشعبي إلى قوة تغيير منظمة يحتاج الانتقال من الغضب الانفعالي إلى الغضب الاستراتيجي عبر أربع آليات: صياغة سردية مشتركة تحدد «من نحن؟» و«ما الهدف؟» وتوحّد الطاقات. بناء شبكات اجتماعية—نقابات، اتحادات طلابية، مجموعات ضغط تنقل الجماهير من جمهور منفعل إلى جماعة منظمة. توسيع الفعل من الاحتجاج إلى العمل المدني المنتج عبر المبادرات الاقتصادية والمقاطعة والتعليم غير الرسمي وشبكات الدعم. تطوير ذكاء جماعي قائم على المعرفة النقدية التي تمنع الانزلاق إلى العنف أو الاستنزاف.
برأيك، ما العامل الحاسم في رسم مستقبل الأمة العربية؟
هذا هو ما يربطنا بـ ثالثاً التي أشرت إليها، وهو العامل الحاسم في مستقبل الأمة ويتمثل بناء رأس مال نفسي|اجتماعي جديد يعيد تشكيل الثقة الجماعية، والهوية المشتركة، والقدرة على التنظيم طويل المدى. فالتغيير لن يولد من الأحداث السياسية وحدها، بل من إعادة تأهيل الإرادة الجمعية لتجاوز الخوف والعجز والتشتت والانقسام.
إذاً، ما هو رهانكم النهائي على مستقبل الجماهير العربية؟
العقل الجمعي العربي مُنهك لكنه حيّ، والغضب الشعبي قادر على التحول إلى قوة تغيير إذا توفرت السردية والوحدة والتنظيم. ويبقى مستقبل الجماهير العربية مرهوناً بقدرتها على تحويل الألم الى امل وإرادة، والغضب إلى مشروع، والهوية إلى قوة عمل مشتركة.
ما ملامح المشروع النهضوي العربي الذي يمكن أن يجمع بين الخصوصية والانفتاح على العالم؟
المشروع النهضوي العربي معادلة تجمع بين الخصوصية الثقافية والانفتاح على العالم، عبر رؤية استراتيجية تتكامل فيها الهوية والمعرفة والاقتصاد والدولة والعلم والسياسة.
ما هي أركان الهوية والاقتصاد في هذا المشروع؟
أولاً، يقوم المشروع على هوية ثقافية واثقة وحداثة منفتحة؛ هوية عربية تستند إلى لغتها وتراثها قراءةً نقدية لا انغلاقيه، وتتبنى قيم الحداثة مثل حرية التفكير والتجريب العلمي واحترام التعدد، بحيث تصبح الهوية منصة للمستقبل لا تكراراً للماضي. ثانياً، يؤكّد المشروع ضرورة الانتقال إلى اقتصاد إنتاجي لا ريعي يعتمد على المعرفة والصناعة والتكنولوجيا، ويدعم ريادة الأعمال والطاقة المتجددة والأمن الغذائي والتقنيات الذكية، فيما يتيح التكامل الاقتصادي العربي بناء سوق واسعة قادرة على المنافسة العالمية. ثالثاً يجعل المشروع من التعليم الحديث مركزاً لصناعة الإنسان المبتكر، رابعاً، يشترط وجود حوكمة حكومية ومؤسسات مستقلة تقوم على الشفافية، والمساءلة. خامساً، يضع المشروع نهضة علمية–تكنولوجية. سادساً، يتطلّب المشروع سردية عربية جديدة تُظهر العرب كقوة مشاركة في صناعة العالم الجديد.
كيف يتمحور التعليم والحوكمة والمجال العلمي-التكنولوجي في الرؤية النهضوية؟
المشروع يجعل من التعليم الحديث مركزاً لصناعة الإنسان المبتكر؛ تعليم يحرر العقل من التلقين ويعزّز التفكير النقدي والبحث، ويتكامل مع الصناعة والبحث العلمي عبر مراكز بحث عربية حقلية مشتركة وليست وصفية تنظيرية اجتراريه توليفيه. رابعاً، يشترط وجود حوكمة حكومية ومؤسسات مستقلة تقوم على الشفافية، والمساءلة، وتجاوز الانقسامات، مع مشاركة مجتمعية واسعة تمنح الشرعية وتدعم الفعل المدني. خامساً، يضع المشروع نهضة علمية–تكنولوجية في قلبه عبر مضاعفة الاستثمار في البحث العلمي وتعزيز مجالات الفضاء والتكنولوجيا الحيوية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى شبكات تستقطب العقول العربية في الخارج لتحويل الهجرة إلى رافعة معرفة.
ما أهمية السردية العربية الجديدة والسياسة الخارجية متعددة المحاور؟
سادساً، يتطلّب المشروع سردية عربية جديدة تُظهر العرب كقوة مشاركة في صناعة العالم الجديد، وتعكس قيماً مثل العدالة والكرامة والإبداع والانفتاح، وتتجسد في الإعلام والفنون والتعليم. سابعاً، يعتمد المشروع على سياسة خارجية متعددة المحاور تبني علاقات متوازنة مع الشرق والغرب، وتستثمر تعددية الأقطاب العالمية لتوسيع مساحة القرار العربي، مع حضور فاعل في إفريقيا وآلاسيان والبحرين: المتوسط والاحمر.
ما هي المعادلة الاستراتيجية التي يلخص بها المشروع النهضوي؟
واستخلاصا لما سلف، المشروع النهضوي العربي هو صياغة استراتيجية تقوم على: هوية واثقة + معرفة حديثة + اقتصاد منتج + دولة قانون + سردية حضارية + انفتاح عالمي ذكي. إنه مشروع يهدف إلى نقل العرب نهضويا من حرف الى فاعل وليس مفعول به، من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل وصانع المستقبل.
ما رسالتك للأجيال العربية الصاعدة في ظل الح.روب والانهيارات المؤسسية؟
تخاطب رسالتنا هذا الجيل العربي الرقمي الجديد، الذي عاش صدمات الح.روب والانهيارات الاقتصادية وتحولات هوياتيّة من اجتماعية إلى رقمية، ما جعله يتأرجح بين التفاؤل والتشاؤم وغالبًا عرضة لثقافة اليأس، إذ يبدو المستقبل بعيد المنال. لكن رسالتنا تحمل الأمل والثقة بأن المستقبل بين أيديكم، وأن كل خطوة تبنونها اليوم تصنع غدكم المشرق.
ما الهدف الرئيسي لرسالتك إلى الجيل الرقمي؟
تولد هذه الرسالة من رحم التاريخ، متفائلة بقدرتكم على إعادة صياغة هويتكم الرقمية بروح واعية وعزيمة ثابتة، رابطين بين الماضي العريق والمستقبل الواعد. غايتنا أن تستبدل عقلية الصدمة بـ عقلية النهضة والبناء، لكي تستعيدوا القدرة العربية على استشراف المستقبل بهويّة حضارية ترتقي إلى عصر الهوية العربية الرقمية؛ هويّة لها جذور تمتدّ عميقًا في أرض الرافدين، حيث بدأت قصة الإنسان مع التدوين والتنظيم، وظهر فيها مبكرًا من ارض وبلاد العرب ما يُعد جذورًا أولى للخوارزميات والتشفير.
كيف تذكرهم بالإرث الحضاري العربي في المجال الرقمي؟
قبل أن تُضيءَ شاشات العالم بالثورة الرقمية، كانت بطارية بغداد ومسلّة حمورابي تقف كأول شيفرة قانونية منظّمة، وكانت مخطوطات الخوارزمي في القرن التاسع الميلادي تضع حجر الأساس للفكر الخوارزمي الرقمي وهو يعد بوابة الذكاء الاصطناعي الذي سيغيّر مصير العالم. لقد ابتكر الإنسان في هذه الأمة، على أرض العراق، هذا الإنجاز الحضاري الرقمي الأول، لتذكيرنا بأن الخوارزميات لم تولد مع السيليكون، بل خرجت من حضارة كانت تعرف العقل والنظام منذ آلاف السنين. إنّه إرث قُرّة العيون… عراقكم، جمجمة العرب، ووعاء حضارتكم الأول.
كيف ترى تحول الهوية في هذا الجيل في العصر الرقمي؟
إن رسالتنا الأكاديمية ينبغي أن تتناغم مع الأجيال الالكترونية الجديدة، وتستوعب التحولات التي تميّز سياقهم الاجتماعي والثقافي. فهم جيل تجاوز مرحلة الهوية غير الرقمية المنتهية الصلاحية (Offline Identity)، تلك المرحلة التي كانت فيها الهوية تُنتج اجتماعياً عبر الوسائط التقليدية والتفاعلات الاسرية المباشرة. كما أنهم جيل اخذ يبتعد تدريجياً عن مرحلة الهوية الحكومية التقليدية او عصر ما قبل الهوية الالكترونية (Pre-eID Era) ، التي كانت الدولة فيها تعتمد على الوثائق الورقية ونُظم التسجيل اليدوية. إن هذا الجيل العربي الواعد يتشكل اليوم داخل بيئة اجتماعية ورقمية جديدة، حيث تتداخل فيها البنى التكنولوجية مع النظم الرمزية والثقافية، لتعيد تشكيل تصورات الأفراد عن الذات والانتماء والمواطنة. ومن هنا تأتي أهمية أن تتواءم الخطابات الأكاديمية والسياسية والإعلامية مع هذا التحول العميق، وأن تستجيب لأسئلة الجيل الذي يمثل مستقبل الأمة العربية، وأن تُعيد إنتاج المعرفة بما يتوافق مع متطلبات العصر الرقمي ومع ديناميات الهوية الالكترونية.
ما هي وصيتك المباشرة للشباب لبناء هويتهم الرقمية المستقبلية؟
فلنكن عربًا رقميين ذات هويّة شبابية تتجدّد، إذ باتت الهوية الحالية في زمن المواطن الرقمي معرضة للذوبان (Offline Identity) ما لم نُعد صياغتها بوعي يحفظ الموروث ويستوعب التحولات المعرفية والتكنولوجية الجديدة. رسالتي إليكم: ابنوا هويّة المواطن العربي الرقمي العالمي القادم من هذا التراث الحضاري، لا من فراغ؛ هويّة عربية لا تُمحى مهما تبدّلت الأزمنة، ولا تنقطع عن جذورها مهما امتدت، بل تنفتح على العالم كما تنفتح الأرض لنور الفجر. اكتبوا هويتكم بلغات المعرفة، وبأدوات التقنية، وبخيال الإبداع، واحملوا إرثكم بفخر، فـ الخوارزمية التي تغذّي العالم اليوم هي صدى فكر خرج من نخيل الرافدين. واصنعوا لأنفسكم مكانًا في الفضاء الرقمي كما صنع آباؤكم مكانهم في خرائط الحضارات. يا جيل المستقبل… لتكن بصمتكم الرقمية امتدادًا لروحكم العربية الإسلامية الإنسانية، ولتكن هويتكم جسرًا بين حضارة عربية عراقية عريقة ومستقبل ينتظر من يصنعه. وتذكّروا دائمًا: الهويّة لا تُمنَح… الهويّة تُصنَع، وإنما يصنعها فقط صنّاع الحضارات… وأنتم في طليعتهم.
ما هو المشروع الذي تمثله صناعة الهوية الرقمية المستقبلية؟
إن صناعة الهوية الرقمية العربية المستقبلية تمثل مشروعاً للتحول النفسي|الاجتماعي يهدف إلى: استعادة القدرة على توجيه المصير، تحويل المعرفة إلى رأس مال اجتماعي، تجاوز البنى الثقافية المعطِّلة، تطوير هوية مرنة وعابرة للحدود، وبذلك يغدو الجيل الجديد فاعلاً في صياغة مستقبله، لا امتداداً سلبياً لإرثه، وتتحول الهوية الرقمية إلى إطار حضاري يدعم الانتقال من منطق الأزمة إلى منطق النهضة في المجال العربي.

Leave a Reply