*منذر مصطفى
تقيم الأمم المتحدة، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، والاتحاد الإفريقي، وبالتنسيق والمشاركة مع الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، اجتماعًا رفيع المستوى في بحر الشهر الحالي.. يهدف هذا الاجتماع إلى جمع التحالفات السياسية: “صمود”، “الكتلة الديمقراطية”، و”تأسيس”.. وتتحدث التسريبات عن احتمال مشاركة حزب البعث، والشيوعي، وعبد الواحد نور، بهدف وضع “خارطة طريق” واضحة للحوار السياسي الشامل في البلاد، أو بالأحرى، الاتفاق بالأحرف الأولى على تشكيل ملامح “اليوم التالي” للح-رب.. يأتي هذا الحراك بالتزامن مع إحالة ملف جماعة الإخوان المسلمين إلى لائحة الإره-اب.
يشكّل هذا الاجتماع تحولًا جوهريًا في أجندة وأطراف جدول الأعمال الوطني، ويمثّل ذروة الإجماع الدولي بقيادة رفيعة المستوى من واشنطن.. والهدف هو إعادة تعريف الصراع الراهن، بما في ذلك تحديد الأطراف المنتصرة والخاسرة في هذه الح-رب، ومن ثم البناء على هذه المخرجات لترتيب الداخل بناءً على “خطة العمل” التي يقرها المؤتمرون.. وتُعرف هذه الخطة في الأروقة الدبلوماسية الدولية بـ “الحل السوداني للأزمة”، أو هو ما يأمله رعاة اللقاء (تجسيدًا لـ الصوابية البراغماتية).
وعلى الرغم من أن هذا المؤتمر قد لا يأتي بـ جديد يتجاوز مخرجات اجتماع #المنامة وكان طرفاه عسكريين: كباشي- الجيش، وعبد الرحيم دقلو- الدعم الس-ربع، فإن السياق اختلف جوهريًا.. هذا التغيير واضح على مستوى العمليات العسكرية، وعلى مستوى الأطراف الدولية؛ إذ تطورت أهداف الح-رب لتصل إلى مستوى الاصطفاف الاجتماعي، وانتقل الملف من أروقة نواب وزراء الخارجية في #الرباعية إلى مستوى رؤساء الدول، ما يوفر فرصة سانحة لـ دخول المدنيين على خط التأثير وصياغة القرار.
لقد تم اختيار القوى المشاركة في جيبوتي بناءً على موقف معظمها التاريخي من نظام الـ 30 يونيو 1989، وتجربتها في مقاومته.. إلا أن هذا التخريج يتضمن استبعادًا متعمدًا لمؤشرات سياقية فرضتها سياسات المؤتمر الوطني، وأضافت عليها الح-رب مستويات غير مسبوقة من عدم اليقين الممزوج بالارتباك.. ويتجلى في التصاعد المحموم لمنطق الزبائنية في المواقف السياسية، المصحوب بـ حمى السيولة التنظيمية.. ويجب ملاحظة أن عددًا من التحالفات الحالية خرجت قيادتها من رحم النظام البائد (الدعم السريع نموذجًا)، وأخرى دخلت معه في تحالف تنسيقي لا يزال قائمًا حتى اللحظة (جبريل إبراهيم نموذجًا) أي بمعنى أنها مرتبطة هيكليًا به بصورة أو بأخرى.
هذه الخلفية لبعض القوى المشاركة في الجبهة الجديدة تعني أنها تحمل في داخلها تناقضات جوهرية.. مما يربك فهم المؤسسات الانتقالية لأبعاد المرحلة القادمة، بما في ذلك حدود وموضوع الجماعات الإره-ابية، والأهم من ذلك علاقتها مع الشارع.. حيث تعاظمت التحديات التشغيلية للسلطة والحكومة – مع بروز أولويات مستجدة في جدول الأعمال التنفيذي (الإغاثة والإعمار) – الوضع معقد للغاية.. وقد تمظهر هذا التناقض سابقًا في التجربة الانتقالية الأخيرة في الصراع المحموم بين مجموعة 2019 ومجموعة 2020.
لن يكون الاجتماع نزهة، وكما يتوقع كثيرون، إذا لم يتم ترصيف الأولويات باتفاق ذي حد معقول؛ مهيكل وقابل للتنفيذ من قبل المؤتمرين، فسوف تُطرح ورقة إطارية أخرى.. ولن تكون فرص المناورة وتحسين الوضع التفاوضي متاحة هذه المرة لسببين: الأول، الفلسفة الجديدة للمجتمع الدولي، التي تمظهرت في ديباجة هذا اللقاء، والأخرى، السياق الجيوسياسي والاقتصادي الجديد (التحول من الإغاثة إلى التجارة كأداة لترسيخ النفوذ).
هذا النفوذ المحتوم يسعى إلى جبهة داخلية متماسكة، قادرة على استيعاب بقايا النظام البائد (النموذج السوداني: حمدوك) والتوقيع على المعاهدات، وفسح المجال للاستثمارات.. وفي ذات الوقت، يجب أن تكون قادرة على التعامل مع الشارع المحلي باستجابة متقاربة مع تطلعاته في الخدمات الأساسية والازدهار الاقتصادي، وبالطبع تحسين حالة حقوق الإنسان لتفادي الغضب الشعبي العام.
هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية للحاضنة السياسية الجديدة، تتحرك فيها مسارات التفاهم في الاجتماع: 1| تحالف تنسيقي: بين الكتل السياسية والمدنية، يشبه تجربة قوى الحرية والتغيير في نهاية العقد الماضي.. 2| تحالف مهيكل: بين التنظيمات السياسية والمدنية، على نموذج التجمع الوطني الديمقراطي في مطلع التسعينيات، أو تجربة “تقدم” الأخيرة.. 3| تحالف هجين: تنسيقي بين التنظيمات السياسية، ومهيكل على مستوى المجموعات المدنية (المنظمات، النقابات، اللاجئين، الشباب، المرأة، المجموعات القاعدية… إلخ).
وهناك محددات بالغة الأهمية لترجيح أي من السيناريوهات نحو التحقق، أهمها ثقل مراكز القوى في التحالف المنشود، ومدى ارتباطها بنظام عمر البشير: إذا سارت الخلاصات في اتجاه نظام رئاسي، فهذا يعني أن السيناريو الثاني (التحالف المهيكل) راجح، وأن الاجتماع فضّل التسوية التنفيذية مع الدولة العميقة.. أما إذا ما ذهبنا إلى نظام رئاسي بسلطات محدودة للأقاليم/الولايات، فهذا بالضرورة ترجيح النموذج الأول (التحالف التنسيقي) وبقاء الصف الثاني لنظام الإخوان المسلمين في المشهد.. أما السيناريو الثالث (الهجين): فهو مقرون بالتوصل إلى نظام برلماني مع عدالة فدرالية، مما يعني قطيعة تامة مع دولة 30 يونيو 1989.
هذا التحول الجوهري في نظام الحكم وتركيبة الحاضنة السياسية يتطلب برمجة تكيّفية شاملة للتنظيمات السياسية الوازنة في الجبهة الجديدة.. وقد يساعدها الوضع المنشود على تجاوز التحديات الداخلية بسبب زوال المؤثرات التي فرضت ذلك، أو قد يأتي بتنظيمات جديدة تستثمر في الفراغ، الذي يوجده من يتخلّف عن المسار الدراماتيكي لجدول الأعمال السياسي المدعوم دوالياً.
وبغض النظر عن السيناريو السياسي الذي سيُفضي إليه المؤتمر (سواء كان تنسيقيًا، مهيكلًا، أو هجينًا)، يمثل الفرصة الأقرب والأخيرة، التي يرعاها المجتمع الدولي لتأسيس شرعية سياسية مدنية موحدة.. وهذه الشرعية مع الاعتراف الدولي والوعود بـ تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر أو برامج الإغاثة والإعمار واسعة النطاق.. لن تكون مغامرة يمكن الالتفاف عليها بسهولة ومن المهم قبل الانطلاق لـ قاعات المداولات الإجابة على الأسئلة التالية: ما هى تطلعات السودانيين الاجتماعية والاقتصادية العاجلة؟ وكيف يتم الوفاء بها.. آلية فك الارتباط بين الاقتصاد والمليشيات؟ شكل ومضمون نظام الحكم ومستقبل العدالة الفيدرالية؟، حدود وموضوع الالتزامات الإجرائية بالاشتراطات الدولية؟.
*باحث | معهد السياسات العامة- السودان
الإثنين 8 ديسمبر/كانون الأول 2025
#SaveSudan
#StopTheWar

Leave a Reply