السكك الحديدية في السودان: إرث استعماري يوجّه التنمية حتى اليوم

صحيفة الهدف

محمد شريف
تُعدّ السكك الحديدية منذ بدايات القرن العشرين العمود الفقري للبنية التحتية في السودان، لكنها لم تُنشأ لخدمة المواطن أو لتحقيق تنمية متوازنة؛ بل كانت جزءًا من مشروع استعماري هدفه ربط مناطق الإنتاج الزراعي بالموانئ البحرية لتسهيل التصدير. هذا الإرث ما يزال يوجّه السياسات الاقتصادية حتى اليوم.

السكك الحديدية كأداة استعمارية

بنى البريطانيون شبكة واسعة من السكك الحديدية، لكنها لم تُصمَّم لتطوير الأطراف أو ربط المجتمعات المحلية ببعضها، بل لخدمة مشروع الجزيرة الزراعي وضمان وصول القطن إلى ميناء بورتسودان. ونتج عن ذلك تركيز النشاط الاقتصادي في مدن مثل الخرطوم وودمدني، مقابل تهميش مناطق واسعة من البلاد.

من الاستعمار إلى الدولة الوطنية

بعد الاستقلال، ورثت الدولة السودانية البنية التحتية كما هي دون إعادة هيكلة جذرية، فاستمر منطق التنمية الانتقائية. وتوجّهت المشاريع الكبرى نحو المركز والمناطق ذات العائد السريع، بينما بقيت الأطراف خارج حسابات التنمية. وهكذا تحوّلت السكك الحديدية من رمز للحداثة إلى أداة تعيد إنتاج التفاوت بين المركز والهامش.

محاولات الإحياء: بين الماضي والحاضر

شهد السودان في السنوات الأخيرة مشاريع لإحياء شبكة السكك الحديدية بدعم شركاء دوليين، لكن خبراء يشكّكون في قدرتها على خدمة التنمية المحلية ما لم يُعاد تعريف دورها. فالتركيز على ربط مناطق الإنتاج بالموانئ فقط قد يعيد إنتاج التبعية الاقتصادية بدلًا من تحقيق تنمية متوازنة وشاملة.

دروس من الأدبيات الاقتصادية

  • يشير دن يونغ إلى أن السكك الحديدية كانت أداة لبناء الإمبراطورية أكثر من كونها مشروعًا تنمويًا.

  • تُظهر الدراسات العربية المقارنة أن النقل عبر السكك الحديدية ظل موجّهًا لخدمة المركز ولم يُستخدم لتحقيق العدالة المجالية.

  • تكشف تحليلات محلية عن إدراك متزايد داخل المؤسسات السودانية لحاجة البنية التحتية الموروثة إلى إعادة توجيه وظيفي وهيكلي.

نحو نموذج جديد للتنمية

يمكن للسودان أن يستفيد من إرث السكك الحديدية إذا أعاد التفكير في وظيفتها. المطلوب ليس مجرد إعادة تشغيل الخطوط القديمة، بل إعادة تصميمها لتصبح أداة لربط المجتمعات المحلية، وتحقيق العدالة المجالية، وتوزيع الفرص الاقتصادية بشكل متوازن. بهذه الرؤية، يمكن للسكك الحديدية أن تتحول من رمز للهيمنة الاستعمارية إلى رافعة للتنمية الشاملة ضمن مشروع اقتصادي جديد.

#ملف_الهدف_الاقتصادي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.