ليست الأرض في الجزيرة والمناقل مجرد تربة تُحرث، ولا مشروعًا زراعيًا يُدار. إنها سيرة ذاتية للشعب السوداني مكتوبة بطمي النيل، وحبات القطن، وعرق المزارعين. كل فدان فيها صفحة من تاريخ كفاح، وكل حبة قطن كلمة في قصيدة السيادة.
اليوم، تُحاول سلطة الأمر الواقع، تلك الكينونة السياسية التي تفتقر إلى أصل الشرعية كما تفتقر التربة المالحة إلى الخصوبة، سرقة هذه السيرة الذاتية الجماعية. إنها لا تريد انتخابات، بل تنفّذ وصية صندوق النقد الدولي: تحويل الأرض من وعاء للذاكرة الوطنية إلى سلعة في سوق المزادات الدولية.
المفارقة المُرّة: في وقت يُشرَّد فيه المزارعون بسبب الحرب، وتُدمَّر البنى التحتية التي بناها آباؤهم وأجدادهم، تأتي هذه الانتخابات الزائفة لتقول لهم: “ليس فقط سنأخذ أرضكم، بل سنسرق صوتكم أيضًا”. إنها عملية جراحية مزدوجة: بتر الجذور من الأرض، ثم بتر الإرادة من الصوت.
لكن اقتصاد الوطن لا يُختزل في أرقام الناتج المحلي وميزانيات الخصخصة. اقتصاد السودان هو كرامته المجسَّدة في علاقة الإنسان بتراب وطنه. مشروع الجزيرة لم يكن يومًا مجرد مصدر للدخل القومي؛ كان عقدًا اجتماعيًا بين الدولة والفلاح، بين الحاضر والمستقبل، بين الأرض والهوية.
ما يجري اليوم هو محاولة لتمزيق هذا العقد تحت ذريعة الإصلاح الاقتصادي، بينما الجرح الأكبر ينزف في جبهات الحرب. وكأنهم يقولون: دعونا ننهب ما تبقى من ثروة، بينما الشعب مشغول بندباته.
الرفض ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل واجب وجودي. مقاطعة هذه الانتخابات الزائفة ليست مجرد خطوة تكتيكية، بل إعادة تأكيد للملكية الأخلاقية للأرض. إنها قول للمستعمرين الجدد: “لن تبيعوا ما لا تملكون، ولن تختاروا من لا يمثلون”.
في عمق هذا الصراع، يكمن السؤال الاقتصادي الأكثر جوهريّة: من يملك حق التحدث باسم الأرض؟ هل هم قيادات فوقية موالية جاؤوا على دبابات الوصاية؟ أم هم أولئك الرجال والنساء الذين عرفوا الأرض ليس بخرائط المساحة، بل بندى الفجر، ووهج الظهيرة، وبرودة الليل؟
الاقتصاد الحقيقي لا يُصنع في مكاتب صندوق النقد في واشنطن، بل يُولَد من حوار الإنسان مع تربته. والتنمية الحقيقية لا تأتي بقرارات الخصخصة، بل تنبت من شراكة حرة بين الفلاح وأرضه.
إن دفاعنا عن مشروع الجزيرة والمناقل هو دفاع عن فلسفة اقتصادية بديلة: اقتصاد يبدأ من الأرض لا من السوق، وينطلق من الحاجة لا من الربح، ويؤمن بالسيادة لا بالتبعية.
لن تكون معركة المزارعين في الجزيرة والمناقل معركة عابرة؛ إنها معركة تعريف: من نحن كسودانيين؟ هل نحن وطن يبيع تراثه ليدفع ديونًا؟ أم نحن شعب يصنع مستقبله من طمي نيله وإرادة أبنائه؟
اليوم، تتحول مقاطعة الانتخابات إلى درس في الاقتصاد السياسي: الثروة الحقيقية ليست في الأرض وحدها، بل في الإرادة التي تحميها. والتنمية الحقيقية لا تبدأ بمشاريع التمويل الدولي، بل بكلمة “لا” تُقال في وجه من يريد سرقة قرار الوطن الشريف.
الجزيرة والمناقل ليستا مشروعين زراعيين فحسب؛ هما قلب النبض الاقتصادي للسودان. ومن يسرق القلب، لا يسرق عضوًا، بل يسرق الحياة ذاتها.
لن تغرق الجزيرة والمناقل في مياه الخصخصة، لأن طميها يحمل ذاكرة أعمق من كل العقود، وإرادة أصلب من كل الدبابات. الاقتصاد يبدأ من الأرض، والسيادة تبدأ من الرفض. واليوم، يكتب المزارعون بقدميهم على ترابهم أجمل بيان اقتصادي: الوطن لا يُباع، والصوت لا يُسكت، والأرض لا تُخون.
#ملف_الهدف_الاقتصادي
#الجزيرة_والمناقل
#ملف_الهدف_الاقتصادي
#مشروع_الجزيرة
#الأرض_هويتنا
#لا_للانتخابات_الزائفة
#السيادة_الاقتصادية
#صوت_المزارع
#السودان
#لن_نبيع_الأرض
#حق_الأرض

Leave a Reply