قراءة في لحظة التحوّل إلى اقتصاد السلاح: هجليج.. حين غيّر النفط مالكه

صحيفة الهدف

ماجد الغوث – طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

لم يكن دخول قوات الدعم السريع إلى هجليج مجرد تقدّمٍ ميداني في خارطة الحرب السودانية؛ بل كان لحظة انقلابٍ في مركز الثقل الاقتصادي والسياسي للدولة. ففي بلدٍ تُدار فيه السياسة من خلال السيطرة على الموارد لا من خلال المؤسسات، تصبح السيطرة على حقلٍ نفطيّ بحجم هجليج أشبه بـ”سقوط العقد الأخير” الذي يربط ما تبقى من جهاز الدولة بشرايين بقائها.

إن السيطرة على هجليج لم تُضِف للدعم السريع قوةً عسكرية فحسب، بل نقلته إلى طورٍ جديد: قوة اقتصادية–عسكرية تمتلك حقلاً، وتدير معالجًا، وتتحكم في خط العبور الوحيد لنفط الجنوب، وتفرض شروطًا استراتيجية على الداخل والخارج معًا.

أولاً: هجليج.. لماذا كانت السيطرة نقطة اللاعودة؟

تكمن خطورة السيطرة على هجليج في رمزيتها وفي وظيفتها:

أ‌. هي منتِج للنفط.
ب‌. وهي مركز لمعالجة الخام.
ج‌. وهي عقدة لوجستية لمرور نفط جنوب السودان.
د‌. وهي شريان مالي مباشر لحكومة بورتسودان.

إنتاج الحقل كان 30 ألف برميل يوميًا، وكانت خطة “حكومة الأمر الواقع في بورتسودان” رفعه إلى 80 ألفًا، وهو آخر أمل متبقٍ لتمويل ما تبقى من جهاز الدولة. والآن صار الرقم صفرًا.

وبالسيطرة على نقطة المعالجة هذه، خرج من ميزانية الحكومة أيضًا عائد عبور نفط جنوب السودان، والمقدّر بـ 24.6 دولارًا للبرميل. أي أن السودان الرسمي فقد آخر موارده المنظمة.

ثانيًا: جنوب السودان.. الدولة التي فُصل شريانها

قبل السيطرة على هجليج، كانت دولة جنوب السودان تبني 85% من ميزانيتها على العائد النفطي الذي يمر عبر السودان. هذا الرقم لم يكن رفاهية، بل كان شرط استمرار الدولة.

أما الآن، وبعد توقف الإنتاج وانهيار منظومة المعالجة، لم يتبقّ للجنوب سوى 15% من ميزانية كانت بالكاد تكفي أصلًا لتسيير دولة هشة.

وهذا يعني ببساطة:
انهيار مالي، انهيار سياسي، واحتمال انفجار داخلي غير مسبوق.

الجنوب لا يملك خيارًا عمليًا آخر؛ فتكلفة النقل عبر دول الجوار تجعل قيمة العبور أغلى من قيمة البرميل ذاته. لذلك، فإنّ البوابة الوحيدة المتبقية أمام جنوب السودان هي:

الجلوس مع القوة المسيطرة على هجليج—أيًا كان اسمها: الدعم السريع، حكومة تأسيس، أو أي صيغة سلطة جديدة.

ثالثًا: ماذا يعني ذلك للسودان؟

للمرة الأولى في تاريخ الدولة السودانية الحديثة، تنتقل:

  • موارد الدولة

  • مفاتيح الطاقة

  • خيوط السياسة الإقليمية

من يد “الحكومة المركزية” إلى يد قوة عسكرية ميدانية.

وهذا يعني أن السودان دخل عمليًا مرحلة جديدة: مرحلة الاقتصاد المسلّح؛ حيث الحقول والأنابيب والمعابر والموانئ لم تعد تُدار بقرارات وزارية، بل بميزان القوة في الميدان.

رابعًا: الصين.. لماذا غادرت السودان؟

لم تفهم الخرطوم مغزى الانسحاب الصيني، لأنه لم يكن قرارًا ماليًا فقط؛ فالصين، بخلاف القوى الغربية، لا تغادر لأنها تتضرر، بل لأنها تقرأ المستقبل.

ورأت بكين ثلاثة مؤشرات حاسمة:

  1. انهيار مركز الدولة وتعدد الجيوش.

  2. السيطرة على هجليج بصفتها آخر نقاط النفط ذات الجدوى.

  3. صعود قوة عسكرية غير حكومية تتحكم في المفاصل النفطية.

وبناء على ذلك وصلت الصين إلى خلاصة واحدة:

السودان لن يقدم نفطًا مستقرًا خلال 10–20 سنة قادمة.

خامسًا: اللحظة التي تغيّر فيها معنى القوة في السودان

بدخول الدعم السريع إلى هجليج تغيّر مفهوم القوة:

أ‌. لم تعد السيطرة على العاصمة.
ب‌. ولا القدرة على الخطاب السياسي.
ج‌. ولا الشرعية الدستورية.

أصبحت القوة هي:

  • السيطرة على الحقول

  • خطوط العبور

  • مفاتيح الطاقة

ومن يمتلك هذه المفاتيح يمتلك:

أ‌. نفط الجنوب
ب‌. موارد الدولة
ج‌. القدرة على فرض شروط سياسية
د‌. ورقة تفاوض إقليمية ودولية

إنها لحظة تُعيد تعريف من هو “الفاعل السياسي” في السودان.

سادسًا: ما الذي ينتظر السودان؟

نحن أمام سيناريوهين:

1. سيناريو إعادة المركز: دولة واحدة ذات سيطرة موحدة

وفيه تُعاد المؤسسات وتُستعاد الحقول وتعود الصين ويعود النفط.
سيناريو صعب… لكنه غير مستحيل.

2. سيناريو تعدد المراكز: دولة تتشظى إلى اقتصاديات سلاح

وفيه يتحول السودان إلى فضاء مفتوح:

أ‌. كل منطقة لها قوة.
ب‌. كل قوة لها اقتصاد.
ج‌. كل اقتصاد مرتبط بالسلاح.
د‌. تتحول الحقول إلى ساحات حرب لا مصادر تنمية.

وهذا التحوّل لا يمكن وقفه بالتحليل… ولا بإدامة الحرب.

خاتمة: هجليج ليست حقلًا.. بل لحظة مفصلية في تاريخ السودان

إن السيطرة على هجليج ليست حدثًا عسكريًا، بل انتقال من “دولة النفط” إلى “نفط اللادولة”.
وفي هذه اللحظة خرجت الصين، وسقطت ميزانية الجنوب، وفقدت الحكومة آخر مواردها، وبرز الدعم السريع كقوة اقتصادية–عسكرية.

ويبقى السؤال الحاسم:

هل يعود النفط إلى الدولة؟
أم تصبح الدولة هي التي تبحث عن النفط؟

ففي هذا السؤال يتحدد مستقبل الاقتصاد… ومصير السودان نفسه.

#هجليج
#اقتصاد_السلاح
#النفط_السوداني
#السودان
#الحرب_في_السودان
#الدعم_السريع
#جنوب_السودان
#الصين
#النفط
#تحليل_سياسي
#ملف_الهدف_الاقتصادي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.