زكريا نمر
في رأيي الشخصي، أكثر ما يثير الدهشة في فضاء فيسبوك اليوم هو ذلك النوع من المستخدمين الذين لا يقرؤون المحتوى أصلًا، لكنهم يندفعون إلى كتابة تعليقات سلبية تحمل في طياتها الكراهية والحقد. هؤلاء لا يكتفون بالاختلاف أو النقد البناء، بل يتجاوزونه إلى محاولات التشويه وافتعال ضجة بلا معنى. والأغرب أنك قد تجد الشخص نفسه حاضرًا في كل منشور وكل مقال، يكرر التعليق ذاته بنبرة واحدة، كأنه يؤدي طقسًا يوميًا من طقوس الحسد.
في الحقيقة، المسألة أعمق من مجرد تعليق إلكتروني؛ إنها حالة نفسية ممتدة، مرض يتغلغل داخل الإنسان، يجعله يرى كل نجاح حوله تهديدًا شخصيًا، وكل محاولة جادة إنجازًا يجب إخماده. لذلك يسعى إلى لفت الأنظار بطريقة رخيصة، أو يختبئ خلف قناع التباهي في محاولة لتغطية فراغه الداخلي. بعض التعليقات لا تهدف إلى النقاش أو الفهم، بل إلى زعزعة الجو العام وإثارة الفتنة. تجد الشخص يقفز إلى منشورك بمجرد أن تكتب شيئًا، دون أن يستوعب الفكرة أو يقرأ السطور؛ فالمهم عنده إثبات وجوده، حتى لو كان قائمًا على السخرية أو الافتراء.
في أحد منشوراتي، يظهر شخص بشكل متكرر ليحاول إشعال الخلافات. لا يقدم رأيًا ولا يضيف فكرة، فقط يثير الضباب والضجيج. ومع ذلك، فهو مجرد شخص لا يعرف شيئًا عما يتحدث عنه، لكنه يظن أن الصوت العالي يغني عن المعرفة، وأن الإساءة تغطي عجزه. هذه الظاهرة أصبحت جزءًا من حياة التواصل الاجتماعي؛ أشخاص يعيشون على الطاقة السلبية، يقتاتون من النجاح الذي لم يصنعوه، ويشعرون بأن أي خطوة للأمام يقوم بها الآخرون هي إهانة لهم شخصيًا. لذلك تراهم يتنقلون من صفحة إلى أخرى، يكتبون باندفاع، بلا فهم، بلا قراءة، وبلا أي وعي.
إن التعليقات السلبية ليست خطرًا في ذاتها، لكنها مرآة تكشف عن صراعات نفسية داخل أصحابها: خوف من التراجع، شعور بالدونية، عجز عن الإنتاج، أو حاجة مستمرة إلى الإحساس بالسيطرة. ومن لا يملك القدرة على بناء شيء، غالبًا ما يصبح بارعًا في هدم كل شيء. ليست المشكلة فيك ولا في محتواك، بل في نفوس تبحث عمّا يسد فجواتها الداخلية، فلا تجد سوى التعليق السلبي سلاحًا للتعبير عن هذا الفراغ. وما عليك إلا أن تواصل ما تفعله؛ فالتقدم يزعج الكسالى، والنجاح يستفز العاجزين، والضوء يفضح كل من اعتاد الظلام.
#فيسبوك #التعليقات_السلبية #علم_النفس_الاجتماعي #الطاقة_السلبية #صناع_المحتوى #الحسد #الإيجابية #ملف_الهدف_الثقافي

Leave a Reply