الانهيار الاقتصادي في السودان يطحن اللاجئين في مصر: الجنيه المنهار يلتهم الدخول ويهدد آلاف الأسر

صحيفة الهدف

يشهد الاقتصاد السوداني واحدة من أسوأ مراحله في التاريخ الحديث، بعدما أدت الحرب المندلعة منذ أبريل 2023 إلى انهيار الإنتاج وتوقف مؤسسات الدولة وتراجع حركة التجارة والصادر، ما تسبب في نزوح ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها. غير أن الوجه الأكثر قسوة لهذه الأزمة يتمثل في الانهيار الكبير لسعر صرف الجنيه السوداني، الذي فقد أكثر من 85% من قيمته خلال أقل من عامين.
قبل الحرب، كان الجنيه السوداني يعادل نحو 13 جنيهًا مصريًا وفق التعاملات غير الرسمية، أما اليوم فقد تجاوز سعر الصرف حاجز 75.8 جنيهًا سودانيًا مقابل الجنيه المصري الواحد. هذا التدهور المتسارع انعكس مباشرة على حياة مئات الآلاف من السودانيين المقيمين في مصر، خصوصًا أولئك الذين يعتمدون على مرتباتهم داخل السودان أو على تحويلات أقاربهم. فقد خسرت هذه الفئة نحو 80% من قدرتها الشرائية، بينما ترتفع الأسعار والإيجارات في مصر بوتيرة مستمرة، الأمر الذي جعل الواقع المعيشي للاجئين أكثر قسوة من أي وقت مضى.
ومن خلال لقاءات “الهدف” بعدد من السودانيين المقيمين في القاهرة، تبيّن حجم الأزمة بشكل واضح.
تقول سهير عبد الرحمن، وهي محاسبة بوزارة المالية وأم لأربعة أبناء:”مرتبنا أنا وزوجي، وكلاهما من وزارة المالية، لم يعد يكفي حتى إيجار الشقة. أصبحنا نعاني من شظف العيش، ولا أرى أمامي حلًا سوى العودة إلى السودان رغم المأساة وانعدام الخدمات وانتشار الحميات. لكن تدهور قيمة الجنيه دفعنا للتفكير في العودة مجبرين.”
سهير تمثل شريحة واسعة من الأسر التي بدأت تُجبر على التفكير في العودة إلى مناطق غير آمنة لأن الحياة في الخارج أصبحت فوق طاقتهم.
أما محمد عيسى الإمام، الذي يعتمد على إيجار عقار في مدينة أم درمان، فيقول: “حين حضرت إلى القاهرة في بداية الحرب كان الجنيه المصري يعادل 17 جنيهًا سودانيًا. الآن تجاوز 75. أصبحت غير قادر على تحمل تكاليف الحياة هنا. قيمة الإيجار التي أتقاضاها لم تعد تغطي مصاريفي بسبب انخفاض العملة وارتفاع الأسعار في مصر.”
وهذا يبرز كيف أن الانهيار الاقتصادي في الداخل ينعكس على حياة السودانيين في الخارج، حتى أولئك الذين كانوا يعتمدون على مصادر دخل ثابتة.
ويتحدث خالد طه، الموظف بديوان المراجع العام، عن صعوبة إيجاد بدائل: “بسبب انخفاض الجنيه اضطررت للبحث عن عمل. مرتبي كموظف حكومي لا يغطي ربع المعيشة. العمل هنا صعب، لكن كما يقول المثل: المضطر يركب الصعب. الآن أعمل باليومية رغم قسوة العمل وطول الساعات مقارنة بالأجر.”
وتكشف شهادته انتقال كثير من اللاجئين من الطبقة الوظيفية المستقرة إلى العمل الهش الذي يفتقر للضمانات.
وتضيف خديجة فتح الرحمن، وهي ربة منزل وأم لستة أبناء، اثنان منهم طلاب في الجامعات المصرية: “مصروف زوجي الذي يعمل في عطبرة لم يعد يكفي الإقامة والمعيشة ومصاريف ولديَّ الجامعيَّين. أصبحت ألجأ إلى مساعدات أقاربي المغتربين في السعودية والخليج لسد العجز.”
هذا الاعتماد المتزايد على الدعم العائلي يعكس هشاشة أوضاع آلاف الأسر التي تعيش بلا دخل ثابت.
هذه الشهادات ليست سوى جزء مما يعيشه آلاف السودانيين الذين لجأوا إلى مصر هربًا من الحرب. فبدلًا من أن تكون مصر محطة للطمأنينة، أصبحت تكاليف الحياة تضغط عليهم بحدة، فيما تتراجع قيمة دخولهم إلى مستويات غير مسبوقة. وتشير تقديرات منظمات إغاثية إلى أن أكثر من 70% من الأسر السودانية في مصر تعاني من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة، وأن نسبة كبيرة من الطلاب اضطروا لتأجيل دراستهم أو الانسحاب بسبب عدم القدرة على السداد.
إن انهيار الجنيه السوداني لم يعد مجرد مؤشر على أزمة اقتصادية، بل تحول إلى أزمة إنسانية مكتملة الأركان يعيشها السودانيون يوميًا، وتهدد استقرارهم ومستقبل أطفالهم. ومع غياب حلول حقيقية، يبقى آلاف اللاجئين عالقين بين حرب لا يستطيعون العودة إليها، وغربة أصبحت تكاليفها فوق طاقتهم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.