عبد الغني كرم الله
أعظم قصائد كمال الجزولي كانت خارج دواوينه.
تمامًا كما كانت أعذب أشعار حميد ومحجوب شريف والقدال وعالم عباس، تلك التي كُتبت بسلوكهم اليومي، لا بأقلامهم، فهزموا شعرهم الجميل بحياتهم الأجمل.
حين تلتقي شاعرًا كبيرًا، يسبقك الخيال للمقارنة بينه وبين شعره: هل يشبهه شعره؟ أم الواقع فيه أبهى من القصيدة؟
في حالة هؤلاء الكبار، كانت حياتهم ديوانهم الواقعي، وكانت مواقفهم الوطنية والإنسانية أعذب من أي بيت شعر.
اخترت عنوان “الجلنيتر بيهدو؟” لموقف طريف عميق المعنى. فقد رُوي عن الأستاذ محمود محمد طه، حين كان مهندسًا في كوستي، أن امرأة كانت تزوره كثيرًا وتأخذ ما تريد. كانت إن قالت له “ملاياتك سمحة”، أذن لها بأخذها، حتى لو كانت مفروشة على السرير!
عاش الرجل متوكلًا على ربه، يرى في الخلق أفعال الخالق، ويؤمن أن “الخلق أقلام الحق” يكتب بها أقداره. فما كان يردّ سائلًا، بل يبتسم في رضا عجيب.
وذات مرة جاءت المرأة وهو يستمع إلى الكاشف، فأعجبها الغناء.. وكانت على عجل فقال لها: “شيلي الرادي معك.” فصاح أحد الحاضرين متعجبًا: “هو الرادي بيهدو كمان؟” ومن هنا جاء التعبير الجميل: الجلنيتر بيهدو؟
ومثل ذلك الموقف حدث مع الشاعر كمال الجزولي. زار كمال بعض أهله بحي الأزهري في الخرطوم، في بيت عثمان الجعلي، أحد موظفي السكة الحديد القدامى، وتلميذ الأستاذ محمود. كان البيت غارقًا في الظلام إذ لم تصل الكهرباء بعد، وبين كمال والجعلي دار حديث لطيف عميق كعادتهما. وعند الباب قال كمال لنسيبه ممازحًا: “الكهربا دي يمكن سنة ما تجيكم، عندي جلنيتر بجيبو ليك.”
ولم تمضِ أيام حتى أضاء “الجلنيتر” الحيّ. أضاء بيوت الجيران، وكان الشارع مليئًا بالحفر، يتعثر فيه الكهول في طريقهم إلى زاوية ترابية صغيرة. على نور الجلنيتر مضت خطاهم واثقة مطمئنة. وإحدى الفتيات كانت تذاكر للامتحان عند الجيران، فأنار لها ليلها. أي فضل أعظم من هذا؟ وأي عمل أنبل من أن تزرع النور في الظلام؟
هؤلاء لا يُقال عنهم “الرادي بيهدو؟” أو “الجلنيتر بيهدو؟” فقد أهدوا أرواحهم لله والوطن والإنسانية.
كان كمال كثيرًا ما يردد مع عبد المنعم عبد الحي: “فيا سودانُ إذا ما النفسُ هانتْ.. أقدِّم للفداءِ روحي بنفسي.”
طبت هناك كما طبت هنا، أيها الكريم الذي لا يُضام. وكما بددت ظلام الليل، عش في أنوار الله وكرم عطائه.
كم نحبك يا كمال، وحين تتسع الرؤية تضيق العبارة. فأنت القصيدة الأم، المكتوبة بحبر الأفعال لا بالكلمات.
#ملف_الهدف_الثقافي #كمال_الجزولي #الجلنيتر_بيهدو #الشعر_والسلوك #محمود_محمد_طه #قصيدة_الأفعال #شعراء_السودان #زرع_النور_في_الظلام

Leave a Reply