قراءة جمالية في رواية “حفيدة غردون باشا” لتسنيم طه

صحيفة الهدف

سمية جمعة

ما بين الماضي والحاضر، تصحبنا الكاتبة السودانية تسنيم طه في رواية “حفيدة غردون باشا” في رحلةٍ تتقاطع فيها خيوط السرد المتشابكة، حيث تتعدد الأصوات وتتماوج اللغة الشاعرية التي تغلف النصّ بحسٍّ تأمليّ رفيع. إنها رواية تستحق القراءة، لأنها تدعونا للتطلّع إلى المستقبل عبر الغوص في أعماق الماضي، وتضعنا أمام تساؤلاتٍ تستدعي وقفاتٍ تأملية تعيدنا إلى تاريخٍ كان يضجّ بالتناقضات. إنها رحلة لإثبات الهوية في مواجهة الصراع الإنساني المتجدد.

يأتي العنوان بوصفه العتبة النصّية الأولى التي تفتح بوابة التأويل. فـ”غردون” يحيل إلى الجنرال البريطاني تشارلز غردون، الضابط الذي لعب دورًا محوريًا في تاريخ السودان، وانتهت حياته في الخرطوم على يد قوات المهدي. وجود اسمه في العنوان يضع القارئ مباشرة في قلب التاريخ الاستعماري، بما يحمله من ظلالٍ ممتدة وأثرٍ مؤلم في الذاكرة الجمعية. تتحول الأسماء في الرواية إلى رموزٍ دالّة، تكشف آثارها المدمّرة على البلاد والإنسان.

أما “الحفيدة”، فهي البطلة الرئيسة، امرأة إنجليزية تعود إلى السودان في رحلة بحثٍ عن الذات. هذا الانتقال الرمزي من الجدّ إلى الحفيدة يحوّل السرد من مجرد حكايةٍ تاريخية إلى رحلة وجودية مثقلة بإرثٍ من الأسى والتساؤلات.

من خلال استحضار الذاكرة الجمعية عبر الرسائل والوثائق، تمتدّ الرواية على مساحةٍ زمنية تربط الماضي بالحاضر، حيث تتشظى الذوات وتتشابك المصائر. الماضي يطارد الشخصيات كشبحٍ لا يمكن الفكاك منه، فيما تحاول البطلة أن تعيد كتابة التاريخ من منظورٍ أكثر موضوعية وإنسانية.

في لقاءاتها بشخصياتٍ سودانية تمثل تنوّع المجتمع، تعيش البطلة بحثًا مضاعفًا: عن ذاتها، وعن هويةٍ ارتبطت باسمٍ يرمز للطغيان.

تنوع الأصوات والشخصيات يفتح أمام القارئ مساحةً ثرية، تتقاطع فيها النماذج: المرأة المثقفة القوية، والمثقف التقليدي، والإنسان البسيط الذي يعكس وعي الأرض وتاريخها. من خلال هؤلاء، تسبر الكاتبة أغوار النفس الإنسانية وتكشف أثر الاستعمار في تشكيل الفكر والمشاعر.

تطرح الكاتبة أسئلة وجودية عميقة:

  • هل يمكننا أن نتصالح مع ماضٍ كان يؤرقنا؟
  • هل نستطيع التكيّف مع حاضرٍ متعثر؟
  • وهل الكتابة محاولة لإيجاد مخرجٍ من معادلاتٍ تبدو مستحيلة الحل؟

هنا تتجلى إعادة تشكيل الوعي بلغةٍ شاعرية تمتلكها الكاتبة ببراعة، فتنتقل بنا من واقعية الأحداث إلى فضاء التأمل والحلم، لتجعل من الرواية رحلةً بين الشرق والغرب، وبين الذاكرة والهوية، في تشابكٍ إنسانيّ يعبق بالجمال والحنين.

ليست هذه القراءة من زاويةٍ واحدة، بل هي لوحةٌ متعددة الألوان تتقاطع فيها قراءات التاريخ لتكوّن عملاً فنياً نابضاً بالحياة.

(كاتبة من سوريا)

#ملف_الهدف_الثقافي #حفيدة_غردون_باشا #تسنيم_طه #الرواية_السودانية #غردون_باشا #الذاكرة_والهوية #الأدب_والاستعمار #قراءة_جمالية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.