أزمة الكهرباء في إفريقيا.. السودان نموذج للفجوة المتسعة في الطاقة

صحيفة الهدف

 راما عبد الله

رغم التوسع الملحوظ في مشاريع الطاقة داخل القارة الإفريقية خلال العقدين الأخيرين، من السدود الضخمة إلى محطات الطاقة الشمسية، لا تزال أزمة الكهرباء تمثل أحد أكبر معوقات التنمية في إفريقيا، حيث يعيش أكثر من 600 مليون شخص دون وصول منتظم للطاقة. هذا الوضع يؤثر على كل القطاعات الاقتصادية، من الصناعة والزراعة إلى التعليم والخدمات الصحية، ويحد من قدرة الدول على النمو والاستقرار.

تشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن إجمالي إنتاج الكهرباء في القارة لا يتجاوز 3% من الإنتاج العالمي، فيما لا يحصل سوى 6 من كل 10 أفارقة على خدمة كهرباء مستقرة. ويعتمد القطاع بصورة رئيسية على الغاز والفحم والطاقة المائية، بينما لم تتجاوز حصة القارة من الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة 2% فقط عام 2024، رغم امتلاكها 60% من أفضل الموارد الشمسية في العالم، ما يعكس فجوة هائلة بين الإمكانات المتاحة والواقع الفعلي.

السودان.. طاقة محدودة وح.رب تعمّق العجز

في السودان، تُعد أزمة الكهرباء واحدة من تجليات الانهيار الاقتصادي والخدمي الذي فاقمته الح.رب منذ أبريل 2023. فقبل اندلاعها، كانت السدود تولد نحو نصف الإنتاج المحلي بقدرة إجمالية بلغت 3.5 غيغاوات فقط، وهو رقم متواضع مقارنة بحجم السكان والطلب الصناعي.

لكن الق.تال المستمر أدى إلى خروج معظم المحطات عن الخدمة وتضرر خطوط النقل، ما جعل البلاد تعتمد جزئياً على الاستيراد من مصر وإثيوبيا لتغطية العجز. وفي الوقت ذاته، توقفت مشاريع التوسع في محطات جديدة، مثل محطة بورتسودان الحرارية ومجمع مروي التوسعي، بسبب نقص التمويل وتعطل الإمدادات اللوجستية، ليبقى الواقع بعيداً عن أي استراتيجية إصلاحية شاملة.

ويؤكد خبراء الطاقة أن القطاع في الس.ودان يواجه تحديات هيكلية أعمق من الح.رب، أبرزها تهالك الشبكات، وغياب السياسات الاستثمارية، وارتفاع تكلفة التشغيل نتيجة انهيار الجنيه وندرة الوقود، ما يجعل أي خطة للتوسع أو الاستدامة شبه مستحيلة دون دعم خارجي أو إصلاح داخلي جذري.

فجوة القارة وأرقام مثيرة للقلق

لإدراك حجم الفجوة، يكفي المقارنة بين الس.ودان وإسبانيا اللتين تتقاربان في عدد السكان؛ فبينما تنتج إسبانيا نحو 290 تيراوات/ساعة سنوياً، لا يتجاوز إنتاج الس.ودان 9 تيراوات/ساعة.

أما إثيوبيا، ورغم تشغيل سد النهضة الذي رفع قدرتها الإنتاجية إلى 7910 ميغاوات، فإنها لا تزال تعاني من ضعف التوزيع وانقطاع التيار في أقاليم عدة، ما يبرز أن توليد الكهرباء وحده لا يكفي، بل يجب تطوير الشبكات والبنية التحتية لضمان وصول الطاقة إلى جميع المناطق.

الاعتماد على الحلول الفردية والطاقة الشمسية

في ظل العجز المزمن، اتجهت أعداد متزايدة من الس.ودانيين إلى استخدام الألواح الشمسية كمصدر بديل للكهرباء في المنازل والمزارع والمشروعات الصغيرة. وتشير تقارير تجارية إلى أن واردات الس.ودان من الألواح والمحوّلات الشمسية تضاعفت ثلاث مرات خلال عام واحد، رغم ارتفاع أسعارها وغياب الضمانات الفنية.

ويرى مختصون أن تبني سياسة وطنية للطاقة المتجددة أصبح ضرورة، لا ترفًا، في ظل استحالة إعادة تأهيل الشبكة المركزية دون استقرار سياسي ومالي، مع ضرورة وضع خطط للاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كخيار مستدام لتغطية العجز.

أثر الأزمة على التنمية الاقتصادية

تؤثر أزمة الكهرباء بشكل مباشر على كل جوانب الحياة الاقتصادية في السودان، فالمصانع تعطل إنتاجها، والمزارع تقل قدرتها على الري والتخزين، والمستشفيات تواجه صعوبات في تشغيل المعدات الطبية الحرجة. وحتى الأعمال الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل شريان الاقتصاد، تتأثر بشكل كبير، ما يزيد من البطالة ويعمّق دائرة الفقر.

معوقات الحلول الوطنية

من بين أبرز معوقات الحلول الوطنية: غياب التخطيط الطويل الأمد، ونقص التمويل، والتعقيدات البيروقراطية، والصراعات المسلحة، بالإضافة إلى الاعتماد الكبير على واردات الوقود والألواح الشمسية المستوردة. هذه العوامل تجعل أي إصلاح متأخراً أو جزئياً غير قادر على تحقيق أثر ملموس على المواطنين.

تشير المقارنات مع دول إفريقية أخرى مثل جنوب إفريقيا ومصر وكينيا إلى أن النجاح في تحسين قطاع الكهرباء يعتمد على مزيج من الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الطاقة، والاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا، مع سياسات دعم واضحة للمستهلكين. في حين أن الس.ودان ما زال يفتقد إلى هذه الرؤية الشاملة.

فشل السياسات الحكومية في مواجهة الأزمة

رغم وعود الحكومات المتعاقبة بإصلاح القطاع، إلا أن الفشل في تنفيذ المشروعات، والانقطاع المتكرر للكهرباء، وارتفاع تكلفة التشغيل، يدل على غياب استراتيجية واضحة. ويؤكد المراقبون أن أي خطة مستقبلية يجب أن تتجاوز الحلول الترقيعية وتعالج جذور المشكلة من التمويل إلى الإدارة والتوزيع.

الطاقة كمدخل لإعادة البناء

تمثل أزمة الكهرباء في السودان نموذجًا مصغرًا لأزمة الطاقة الإفريقية الأوسع، حيث تتلاقى الح.روب، وضعف البنية التحتية، وغياب الاستثمارات لتكرّس فجوة تنموية حادة بين القارة والعالم. ويرى المراقبون أن معالجة هذا الملف تتطلب رؤية استراتيجية شاملة تضع الطاقة كمدخل رئيسي لإعادة بناء الاقتصاد السوداني مستقبلًا، وربطه بالتنمية الصناعية والخدماتية لضمان تحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المرجو.

بين الأزمة والفرصة

في النهاية، تظل أزمة الكهرباء في السودان تحديًا ضخمًا يوازي التحديات الإفريقية الكبرى. ومع ذلك، يمكن تحويلها إلى فرصة إذا تم استثمار الموارد الطبيعية، وتعزيز الاستثمارات الداخلية والخارجية، ووضع خطط طموحة لإصلاح القطاع. فالقدرة على إنتاج وتوزيع الطاقة ليست فقط مسألة تقنية، بل هي حجر الأساس للنهوض بالاقتصاد وتحقيق التنمية المستدامة في البلاد.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #أزمة_الكهرباء #السودان_الطاقة #الطاقة_المتجددة_أفريقيا

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.