زاوية مضيئة: يعمر الأخيار ما دمّره الأشرار

صحيفة الهدف

د. امتثال بشير

حين ينهض الخير من بين الركام ليعيد للحياة نبضها، تكون الإنسانية سيدة الموقف بلا منافسٍ أو منازع. قال الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} (سورة التوبة، الآية 105).

في كل زمانٍ ومكان، لا تنتهي معركة الخير والشر، ولا تخلو الأرض من أناسٍ يسعون للبناء وآخرين يهوون إلى الهدم. لكن التاريخ علّمنا أن صوت الخير، مهما خفت، لا ينطفئ، وأن يد الإعمار مهما تعبت، لا تتوقف. فحين تتهاوى المدن وتذبل الأرواح، ينهض الأخيار ليكتبوا فصول الحياة من جديد.

إنهم أولئك الذين لا يكتفون برؤية الألم، بل يحوّلونه إلى طاقةٍ للعمل والعطاء. أولئك الذين يؤمنون أن إعادة البناء ليست حجارة تُصفّ، بل إرادة تُزرع، وإيمانٌ بأنّ الله لا يضيع عمل من أحسن عملًا.

الأخيار.. روح البناء والأمل، وركيزة المجتمعات في أوقات الشدّة؛ هم من يعيدون الأمل حين تبهت الألوان وتختفي البسمة. لا ينتظرون تكليفًا ولا يبحثون عن مقابل، بل يعملون بدافعٍ من ضميرٍ حيٍّ وشعورٍ إنسانيٍّ عميق.

إنهم يعيدون بناء البنية التحتية، ويرمّمون ما تهدّم من مؤسسات الحياة، ويغرسون في النفوس معنى الصبر والإيمان بالمستقبل. ويدركون أن الإعمار الحقيقي يبدأ من الداخل… من الإنسان قبل المكان؛ لأن الإنسان أساس التنمية، وهو المكلّف بإعمار الأرض وفعل الخير.

ومن رحم المعاناة يولد الأمل، ومن بين أنقاض الدمار تظهر وجوه تحمل في ملامحها وعدًا بالحياة. نماذج مضيئة لعطاء الأخيار: من يقضي أيامه في ترميم مدرسةٍ تهدّمت لتعود موطنًا للعلم، ومن يسهر على توزيع الغذاء والدواء لمن فقدوا كل شيء، ومن يمدّ يده دون أن يسأل: من هذا؟ أو لأي طائفةٍ ينتمي؟

هؤلاء هم الأخيار، الذين جعلوا من العمل الإنساني منهجَ حياةٍ، ومن الإعمار رسالةً لا تعرف الحدود. للأخيار دورٌ في تعزيز بناء المجتمعات، غير أن هذا الدور لا يزدهر إلا في بيئةٍ تحتضن الخير وتشجّعه. من هنا يبرز واجب المجتمعات والمؤسسات في مدّ يد الدعم والمساندة لهم عبر تمكين المتطوعين والمنظمات الخيرية العاملة في إعادة الإعمار وخدمة الإنسان، مع تعزيز ثقافة التسامح والتعايش لتكون سدّاً منيعاً أمام الكراهية والانقسام.

فضلًا عن ذلك، لا بدّ من تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين في المناطق المتضرّرة لضمان استمرار الحياة بكرامة، وإعادة بناء البنية التحتية بما يحقق التنمية المستدامة ويحمي الأجيال القادمة من تكرار المآسي.

ختامًا: سيظل الخير أقوى من الشر، وسيبقى الإعمار انتصارًا للإنسان على الخراب. إن الأخيار لا يرفعون الحجارة فحسب، بل يرفعون الهمم، ولا يبنون الجدران فقط، بل يبنون الثقة والإيمان. ومن واجبنا جميعًا أن نكون امتدادًا لهذا النور، وأن نغرس في مجتمعاتنا ثقافة العطاء والمسؤولية. فبالاتحاد والعمل المخلص، يمكننا أن نحوّل الألم إلى أمل، والدمار إلى إعمار.

دعوةٌ أخيرة: إن خلصت النوايا وصحا الضمير، حتمًا سيسجّل التاريخ أنّنا صُنّاعُ الخير، وأنها كانت البداية التي كتب فيها الخير فصلًا جديدًا في تاريخ الإنسانية.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #زاوية_مضيئة #الإعمار_والأخيار

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.