سلسلة مقالات: ثقافة السلام في زمن الح. رب الدائمة (من البقاء إلى الازدهار – رحلة إعادة اكتشاف الإنسانية)

صحيفة الهدف

#الهدف_اراء_حرة

بقلم عبد اللطيف أبو عكرمة

تأتي سلسلة مقالات (ثقافة السلام في زمن الح. رب الدائمة: من البقاء إلى الازدهار – رحلة إعادة اكتشاف الإنسانية)، في سياق السعي إلى إعادة تعريف معنى السلام كفعل وعي ومقاومة، لا كاستراحة بين حربين؛ وفي محاولة لاستعادة إنسانيةٍ تتآكل تحت ركام الع. نف، وإحياء صوت العقل في زمنٍ صار فيه الصمت لغة الخوف. تناول المقال السابق: السلام الداخلي: البوابة الخفية نحو سلام العالم، أما المقال الحالي، فينتقل إلى بعدٍ مكمّل: التعددية كخيار استراتيجي: من عبء الاختلاف إلى ثراء التنوع

(4 – 9)

التعددية كخيار استراتيجي: من عبء الاختلاف إلى ثراء التنوع

(الاختلاف ليس خطأ في تصميم الوجود، بل هو توقيعه الإلهي على لوحة الخليقة .

لقد ظن الإنسان طويلًا أن السلام لا يتحقق إلا بالتشابه، وأن الأمن هو نقيض الاختلاف، فأنشأ الدول على فكرة (التجانس) لا على فكرة (التكامل)، وأقام المجتمعات على منطق الإقصاء لا على منطق التعايش. وهكذا تحوّل الاختلاف من ظاهرة طبيعية إلى جري-مة ثقافية، ومن نعمة كونية إلى لعنة اجتماعية.

لكن الحقيقة الأعمق تقول إن التعددية ليست استثناءً من القاعدة، بل هي القاعدة ذاتها.

فالكون لم يُخلق على إيقاعٍ واحد: النهر لا يغني وهو وحده، واللحن لا يكتمل بنغمة واحدة، كما أن الضوء لا يتوهج إلا بتنوع ألوانه. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (سورة الروم، الآية 22)

حين ننظر إلى التاريخ، ندرك أن الحضارات العظيمة لم تزدهر بوحدة اللون، بل بتفاعل الألوان.

في الأندلس مثلاً، لم تكن التعددية شعارًا سياسيًا بل كانت حالة روحية متحققة؛ عاش المسلم والمسيحي واليهودي في تناغمٍ جعل من التقاء الاختلاف شرطًا للإبداع. وفي العراق القديم، كانت الديانات والثقافات تتجاور كأوتارٍ مختلفة في عودٍ واحد، تُنتج معًا موسيقى التاريخ. أما سوريا فكانت — وما زالت رغم الجراح — فسيفساء بشرية تُثبت أن الهوية ليست لونًا واحدًا، بل لوحة من آلاف الظلال.

إن التعددية ليست (تسامحًا مع الآخر)، لأن التسامح يفترض سلطة من يمنح، وضعف من يُمنح له.

بل هي اعتراف متبادل بالقيمة، وانصهار في نسيجٍ أوسع من حدود الانتماءات الضيقة.

فالاختلاف لا يُلغى إلا في المقابر، وما دامت الحياة قائمة، فإن التنوع هو قانونها الأعلى. قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

(سورة الحجرات، الآية 13).

كل محاولة لفرض التجانس هي في جوهرها عنف ضد الطبيعة الإنسانية.

ومن يحلم بمجتمعٍ متشابه، إنما يحلم بمجتمعٍ ميت.

التعددية ليست نقيض الوحدة، بل شرطها؛ لأن الوحدة الحقيقية لا تُبنى على الإلغاء، بل على الحوار، ولا تُصان بالفرض، بل بالاحترام المتبادل.

الإنسان في عمقه كائنٌ علائقي، لا يكتمل إلا بالآخر.

فهو لا يعرف ذاته إلا من خلال الاختلاف، ولا يكتشف حقيقته إلا في مرآة التنوع.

من هنا تصبح التعددية خيارًا استراتيجيًا للبقاء، لا مجرد فضيلة أخلاقية. قال تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾

(سورة هود، الآية 118)

فالمجتمعات التي تنغلق على نفسها تذبل، وتلك التي تنفتح على تنوعها تزدهر.

وفي عالمٍ يعيش على حافة الحروب الأهلية والهويات الق-اتلة، يصبح تبنّي فلسفة التنوع شرطًا للسلام، بل شرطًا للنجاة من تكرار التاريخ.

التعددية ليست ترفًا ثقافيًا، بل حكمة وجودية:

أن نفهم أن الآخر لا يُهددنا، بل يكملنا.

أن ندرك أن التنوع ليس نقيض الهوية، بل دليل على نضجها.

أن نحيا الاختلاف لا كمعركة، بل كفنٍّ للتعايش.

فلننتقل من فكرة (تحمّل الآخر) إلى فكرة (الحوار مع الآخر)، ومن منطق الصراع إلى منطق التكامل، لأن المجتمع الذي لا يتسع للجميع، سيتساقط أفراده تباعًا حتى يفرغ من نفسه.

في النهاية، ليست التعددية شعارًا سياسيًا أو مشروعًا قانونيًا، بل هي روحٌ تعيد تعريف الإنسانية ذاتها.

فالوحدة التي لا تعترف بالاختلاف ليست وحدة، بل قمع متنكر.

والسلام الذي لا يحتفي بالتنوع ليس سلامًا، بل صمت القبور.

كما أن الحديقة لا تزداد جمالاً إلا بتعدد أزهارها، كذلك الأمة لا تزداد قوة إلا بتنوع أبنائها.

ولعل أعظم انتصارٍ يمكن أن نحققه اليوم هو أن نؤمن بأن اختلافنا ليس تهديدًا لبقائنا، بل هو دليل على أننا ما زلنا أحياء.

ولأن الحياة أوسع من أي تصور أحادي، وأغنى من أي رؤية منغلقة، فإن قبولنا بالتنوع هو في الحقيقة قبولنا بالحياة ذاتها. وفي عصر العولمة والذكاء الاصطناعي، حيث تذوب الحدود وتتصادم الثقافات، تصبح التعددية ليست خيارًا فحسب، بل ضرورة للبقاء.

وفي سياقنا العربي — والسوداني خاصة — ليست التعددية ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لإنقاذ الدولة من الانقسام والحرب. فالسودان، بفسيفسائه القبلية والثقافية واللغوية، لا يمكن أن يُبنى إلا على عقدٍ وطني جديد يعترف بالتنوع كقوة لا كتهديد. وإن تحويل التعدد من وقودٍ للصراع إلى طاقةٍ للبناء هو مفتاح التحول من الحرب إلى السلام، ومن الدولة المركزية المتسلطة إلى الدولة التشاركية الديمقراطية.

التعددية ليست خطرًا على الوحدة، بل هي وحدها القادرة على صناعة وطنٍ يسع الجميع دون إقصاء ولا امتياز.

( لنكن كأوركسترا الوجود: نغمات مختلفة، لكنها تعزف لحنًا واحدًا — لحن الحياة.)

يتبع لطفًا،،،،،،،،،،

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.