الموت المجاني وطن يُصلب على نهرين من الدم

صحيفة الهدف

د. أحمد الليثي

#الهدف_آراء_حرة

الأصل في حقوق الإنسان هو حق الحياة. بعده تأتي بقية الحقوق لتُشرّع وتصون تلك الحياة في إطارٍ كريم. لكن ما ظل يحدث لشعب السودان منذ فجر الاستقلال، مرورًا بالدكتاتوريات التي توالت على وأد أحلامه، وصولًا إلى أيامنا هذه، لم يكن سوى انتهاكٍ صارخٍ لهذا الحق الأصيل: أن يعيش، فقط أن يعيش.

منذ عقودٍ، يُقتل السودانيون في حروبٍ عبثية لا طائل منها. ثم جاء نظام الإنقاذ البغيض ليحوّل الموت إلى استثمارٍ سياسي، يزرع الكراهية والفرقة، ويوسّع دائرة الحرب، فتحصد الملايين في الجنوب، جبال النوبة، دارفور، النيل الأزرق، وفي مدن السودان كافة.

أما من لم تطله رصاصاتهم، فقد لاحقوه بالموت البطيء: بالتجويع، والتشريد، والتعذيب، والاغتصاب، والاعتقال، والمرض، وكأننا خارج التاريخ، نعيش على كوكبٍ آخر، في أزمنةٍ سحيقة.

واليوم، بعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب الجديدة في أبريل 2023، بلغ الموت المجاني ذروته.

الخرطوم تحوّلت إلى مدينة أشباح؛ الجزيرة إلى مسرح مذابح؛ الجنينة إلى مقبرة جماعية؛ وها هي الفاشر، درة دارفور وذاكرة مجد السلطان علي دينار، تسقط تحت الركام والنار، محاصَرةً بالموت من كل الجهات. لم تعد المدينة تصرخ، لأن صوتها ذاب في صدى المدافع، ولا أحد يسمعها.

الفاشر اليوم ليست مدينة، بل جرحٌ مفتوح في خاصرة الوطن — تُذبح على مرأى العالم الذي اعتاد المشاهدة دون أن يرمش له ضمير.

الملايين مشرّدون داخل وخارج البلاد. لا مستشفيات، لا دواء، لا جرعة أكسجين تخفّف سكرات الموت.

كأن القدر اختار السودان ليكون مختبرًا لكل أشكال الفناء. حتى الآثار والموتى وتاريخهم لم يسلموا من هذا الموت المجاني.

لم يكتفوا بقتل الأحياء، بل مدّوا أيديهم إلى قبور الأسلاف، فنهبوا ما في المتاحف كما لو نهبوا الأرواح ذاتها. أكثر من أربعة آلاف قطعةٍ أثريةٍ هُرّبت، لكنها ليست مجرد حجارةٍ منقوشةٍ أو تماثيل صامتة، بل شواهد على حضاراتٍ نطقت بالوطن منذ آلاف السنين.

حين تُسرق الآثار، لا يُسرق الحجر فحسب، بل يُسرق الزمن، تُمحى الذاكرة، ويُغتال التاريخ مع الحاضر.

وكأن السودان يُقتل مرتين: مرةً في جسده النازف، ومرةً في روحه الممتدة عبر القرون.

ثورة ديسمبر المجيدة أشرقت كبرق أمل، لكنها أُفرغت من أهم أسلحتها: الحسم الثوري والنجاعة القانونية.

فخرج أعداء الحياة من جحورهم، وعادوا أكثر شراسةً ودموية.

اليوم، يتسابق أمراء الحرب مع الشيطان: من يقتل أكثر؟ من يغتصب أكثر؟ من يشرّد أكثر؟ ومن ينهب أكثر؟

أصبحت الحياة لمعظم السودانيين جحيمًا مقيمًا، لا يُفارقهم إلا بالموت.

هنا تحضرني كلمات محمود درويش:

“كل الذين ماتوا نجوا من الحياة بأعجوبة، ربما لأنهم نبلاء لا يستحقون العيش في هذا الجحيم.”

شعبنا العظيم، سلامٌ على موتاك، وسلامٌ على أحيائك الذين يصارعون البقاء.

سلامٌ عليك أيها الوطن المصلوب على نهرين من الدم.

في السودان… نُدفن أحياء، لكننا ننهض موتى أحرار.

والثورة لا تموت، لأن الموتى يسكنون فينا كأصواتٍ لا تنطفئ،

ولأن دماءهم صارت البذرة التي تنبت منها الحياة من جديد.

(كتبتُ هذا النص أول مرة في 5 نوفمبر 2016، وعدّلته في 28 نوفمبر 2021، وها أنا أجدّد نزفه اليوم في 10 نوفمبر 2025، وما زال الموت المجاني سيّد المشهد.)

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.