لمن تهمس الرمال؟

صحيفة الهدف

د.أشرف مبارك 

كان البصُّ القديم يسير في الطريق القديم، يُصدر أنينًا خافتًا مع كل حفرة تهز عظامه البالية. ذلك الأنين لم يكن مجرد صوت للمعدن العجوز، بل كان صدى لذكريات طريقٍ نسي نفسه. فقد عاد ترابيًا كأيام الأجداد، تتكوم في جوانبه الرمال التي انزلقت وغطت ما بقي من الأسفلت المتهدم، وكأنما الأرض تستعيد ما كان لها.

الرفاق الثلاثة: البص والرجل والطريق

في ذلك البص عاش أبو ريدة عمرًا كاملًا. لم يكن البص عنده وسيلة نقل فحسب، بل كان رفيق درب وقطعة من العمر. يعرف صرير دواسته كما يعرف وجع ركبته، ويسمع أنين محركه كما يسمع خفقان قلبه عند التعب. باختصار، كانوا ثلاثة رفاق: الرجل والبص والطريق.

لكنَّ الزمن تغيّر. أبو ريدة لم يعُد يقوى على العناية بنفسه، فكيف بالبصّ؟ ارتجفت يداه، وانحنى ظهره، وخفت صوته. ابنه حسن كبر وهرب من التراب، وحواء تزوّجت وغادرت. ومنذ ذلك الحين بدأ البص يئن.

كانت السعدية، زوجته الصابرة، آخر من ظل يرعاه. تجلس عند الباب تنظر إلى البص الرابض في طرف الحوش كما لو كان إنسانًا من الماضي يعود كل مساء ليقول: “ما زلت هنا”.

الرحيل الأخير

في إحدى الليالي، بينما كان البص يسير تحت ضوء القمر الباهت، بدا له وكأن الطريق يتنفس. ظل من الماضي يتحرك على جوانبه: سيارات قديمة وأصوات أغانٍ تملأ الفضاء. كان التراب يروي له حكايات من مرّوا من هنا.

وذات صباح، حين حاول أبو ريدة أن يدير المحرك، صمت البص كأنه تعب من الزمن. جلس الرجل أمامه طويلاً، يمرّر كفه على مقدمته الملطخة بالصدأ، وقال كمن يخاطب صديقًا قديمًا: “كفاك يا رفيق، تعبنا سوية.”

ومنذ ذلك اليوم، لم يتحرك البص إلا مرة واحدة، حين جاءت شاحنة لتسحبه بعيدًا. وقفت السعدية عند الباب تتابعه بعينين تلمعان بالدمع، كأنها تودع جزءًا من روح البيت. لقد بيع خردة.

أما الطريق، فقد ظل كما هو: نفس الطريق القديم، الذي نسيته الحكومة أو حكمت عليه بالموت، لكنه يروي الحكاية لكل من مرّ به. حكاية الطريق والبص القديم وصاحبه، اللذين اتحدا في النهاية في مصير واحد.

#لمن_تهمس_الرمال #د_أشرف_مبارك #قصة_قصيرة #الوفاء_والتقادم #البص_القديم #حكايات_الذاكرة #أدب_المدن #ملف_الهدف_الثقافي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.