أمير أحمد السيد
يُقال إن السودانيين لا يعيشون إلا بـ”الونسة.” نثرثر لننسى، ونتحدث لنتقارب، ونفتح قلوبنا كما نفتح بيوتنا. لكن “الونسة” التي كانت لُحمة المجتمع، غدت اليوم ثغرةً على الأمن والخصوصية، حتى في أدقّ شؤون الدولة.
القصة التي أيقظت عبد الناصر
أذكر أن الصحفي المصري الراحل يوسف الشريف، المتخصص في شؤون السودان واليمن، وصاحب كتاب “السودان وأهل السودان” حكى لي واقعة ظلّت عالقة في ذهني:
قال إنه كان ذات مساءٍ في فندق القراند هوتيل بالخرطوم بصحبة مجموعة من الأصدقاء، وانضمّ إليهم بعض الضباط. وبينما كانت الجلسة تموج بالأنس والشراب، جلس الشريف مستمعًا بإنصاتٍ إلى “الونسة”، فسمع أحدهم يتحدث عن انقلابٍ عسكري يقوده ضابط اسمه جعفر نميري.
دوّن الخبر في سطرٍ صغير بصحيفته، ولم يكد ينتبه إليه أحد، إلى أن جاء يومٌ استيقظ فيه ليجد رجال المخابرات المصرية يأخذونه إلى مكتب الرئيس جمال عبد الناصر، الذي سأله مباشرة: “جِبت الكلام ده منين يا يوسف؟” حينها فقط أدرك أن ما سمعه في جلسة “ونسة” عابرة قد صار واقعًا، وأن النميري قد قلب نظام الحكم فعلاً.
درس قاسٍ في السذاجة
تلك الحكاية لم تكن مجرد طرفةٍ، بل درسٌ قاسٍ في طيبتنا المفرطة وسذاجة مجالسنا.
فنحن نتحدث بلا حدود: في المقاهي، في المواصلات، في صالونات البيوت، نحكي عن الوطن والجيش والسياسة والأسرار كما لو كنا في جلسةٍ عائليةٍ مغلقة. حتى الغرباء الذين يقضون بيننا شهورًا قليلة يخرجون ومعهم قاموسٌ كامل من مفرداتنا وعاداتنا.. وبعض من أسرارنا.
العِبرة بسيطة ومؤلمة: “الونسة” الحلوة جزء من هويتنا، نعم، لكنها حين تفقد وعيها تتحوّل إلى تسريبٍ مجاني للوطن والذات.
فيا أهل الونسة.. خفّفوا الكلام، فليس كل من يستمع إليكم صديقًا.
#الونسة #الونسة_السودانية #الأمن_الاجتماعي #يوسف_الشريف #جعفر_نميري #طيبة_السودانيين #الخصوصية_والأمن #ملف_الهدف_الثقافي

Leave a Reply